حكايات من عالمي الخاص ( بدر رمضان)

بدر رمضان كاتبة مصرية وهذه مدونتي الخاصة التي تحتوي على أعمالي الالكترونية المجانية، والكثير من المقالات الخاصة بالعالم الأخر.

( حب وخطيئة) 28

 


أما عنه " فما زال يحاول الاقتراب منها "

جلسنا على مقعدين مخصصين لنا في وسط القاعة بعد الاستقبال المعتاد لأي عروسين ، حاولت رسم ابتسامة على وجهي تخفي ما يدور في عقلي يجعلني أتمزق ألماً وأنا أفكر ماذا سيحدث الليلة!

قام منظم الحفل بدعوتنا على المسرح حتى نرقص سوياً على نغمات هادئة ورومانسية ،

ابتسمت نحو الرجل وقمت اخطو نحو المسرح و أنا أمسك بيد ألما التي ترتعد بجواري وأنا ألعن نفسي ألف مرة على فعلتي معها، أمسكت بخصرها وتظاهرت بالسعادة التي تبعد عني بُعد المشرق والمغرب وقمت بخطوات هادئة تتبعني فيها ألما وبداخلي تعصف أمواج الندم وأنا أتخيل هذه الليلة وكلمة " لو" تكاد تنفجر في رأسي من كثرة ترددها،

وضعت ألما يدها حول رقبتي فقشعر بدني من لمستها ولكني تحاملت على نفسي فاقتربت مني هامسة :

- في ايه مالك ؟!

اجابتها بنفس الابتسامة التي ايقنت انها اصبحت بلهاء من كثرة استخدامها على وجهي :

- مالي !

زفرت بضيق وانتفخ وجهها محتقناً وهي تقول :

- أنت مش طبيعي يا مصطفى واوعى تفتكرني هصدق التمثيلية الساذجة اللي عمال تعملها دي

كنت أعلم جيداً أنها تفهمني وابتسامتي البلهاء لن تجدي نفعاً معها لذلك بالغت بها لكي لا يلحظ أحداً حديثنا ثم اجابتها بهدوء:

- بما إنك عارفه أنها تمثليه يبقى خلينا نكملها على خير يا ألما أرجوكِ

امتلأت عينيها بدموع سجنتها عنوة خلف قضبان رموشها الكثيفة مما جعلني اشعر بالندم على ما تفوهت به وبحزن بالغ تساءلت :

- ليه بتعمل كدا أنا عملت إيه؟!

طعنتني بسؤالها البريء وازاد ألمي أضعاف فنظرت نحو عينيها الحزينتين احاول أن أحمل عنها شعورها بالذنب تجاهي قائلاً :

- أنا اللي عملت يا ألما مش انتي وأنا عارف أنك تستهلي أحسن مني

انتهت الموسيقى مع اخر جملة لي وعدنا لمقاعدنا ، التزمت الصمت المدة الباقية من الحفل ولم تعاود الحديث معي مرة أخرى ، انتهى الوقت المحدد للزفاف وقام الجميع بتهنئتنا وامسكت بيدها لنخرج من القاعة، صعدنا للسيارة والتفتت تنظر نحو الزجاج شاردة التهيت مع عمر في حديث جانبي قبل ان ينطلق بنا نحو المنزل ،

دقائق مرت حتى اجتمعت عائلتي وعائلتها كلاً في سيارته وانطلق عمر بنا، نظرت نحوها فوجدتها مازالت شاردة ، تردد للحظات قبل ان المس يدها ولكن ضعفي امامها جعلني أفعلها وانا اسألها :

- سرحانه في إيه؟!

أجابتني وهي ما زالت على وضعها ولم تلتفت نحوي :

- كنت بفكر في كلامك

اغمضت عيني بألم وصراعي الداخلي يشتد على أخره وانا أخبرها :

ما تقلقيش أنا لقيت حل هيرضينا احنا الاتنين

تركت يدها ونظرت أمامي وانا أري منزلنا ، توقف عمر امام البوابة الكبيرة ، ترجلت من موضعي ودرت حول السيارة لأساعد ألما على النزول ، فبقدر ما لفساتين الزفاف من بهجة خاصة إلا أنها تعد لعنة في التحرك بداخلها، رددت بهمس وأنا أمد يدي إليها :

- الله يكون في عونك والله بتتحركي بالبتاع دا ازاي

امسكت بيدي وهي ترفع جانب شفتيها بتهكم واضح ونزلت من السيارة التف حولنا الجميع وانتهت بوالدتها التي احتضنتها واخذت خطوتين بعيداً عني ، مما جعل أبي يستغل هذه المسافة ويهمس في أذني :

- براحه على البنت ومتبقاش غشيم

اطلقت ضحكة جعلت الجميع ينظر نحوي مما أشعر والدي بالخجل فاعتذرت منه على الفور ولم اطيل الأمر لما به من سخرية شديدة،

غادر الجميع واخرهم عمر الذي احتضنني ثم نظر لي نظرة لها معاني كثيرة اعرفها جيداً،

دلفت عبر البوابة الحديدية وانا امسك بيد ألما وقلبي يكاد يخرج من صدري خوفاً من القادم،

اوقفتنا أمي على باب شقتنا واحتضنت ألما بحب كبير وبعد ان انتهت سلمتها لمروه التي بدورها تركتها لأبي الذي قبل جبينها قائلاً :

- الواد دا لو زعلك بس تعالي قوليلي

ابتسمت له ألما ودعت له وهي على اعتاب الشقة فدلفت واتبعتها فوجدتها تقف متسمرة وهي تردد :

- مش معقول

أغلقت الباب خلفي بعدما صعدت عائلتي واقتربت منها وانا ابتسم على مظهرها المتعجب :

- عشان كدا حذرتك تيجي قبل يوم الفرح كنت عاوز اعملهالك مفاجأة

ظلت تلتفت يميناً ويساراً تتطلع لكل زاوية في الغرفة الرئيسية وأنا أنظر نحوها وأتذكر كل ما حدث ليلتها !

ملا مح الحزن والأسى ارتسمت جلية على وجهي كلما ومض عقلي بمشاهد تذكرتها ألاااف المرات منذ حدثت،

نظرت ألما نحوي وقد أظلمت عيناها الزرقاء بحسرة أثقلتها فوق الهم هماً،

جعلتها لا تستطيع الوقوف أكثر من ذالك فجلست على المقعد خلفها وهي تقول لي :

- جه الوقت اللي لازم نتكلم فيه عن اللي حصل

جلست بالقرب منها بعدما خلعت معطفي ورابطة عنقي بنزق شديد وكأن ملابسي تقوم بخنقي حتى أنني لا أستطيع التنفس بشكل صحيح فرفعت القميص عن ساعدي في محاولة لا لهاء نفسي عن النظر نحوها ثم انحنيت حتى لا اوجهها بكلماتي التي خرجت من فمي بأعجوبة :

- أنا ظلمتك قبل كدا يا ألما ومش عاوز ولا هقدر أظلمك تاني

تسألت بأنفاس تكاد تكون متقطعة :

- بمعنى؟!

أخذت نفساً عميقاً حتى لا أختنق أثر كلماتي المحشورة في حلقي وبقلة حيلة عبرت عنها بكلمة واحدة دون النظر إليها :

- مش عارف !

انتفضت اثرها ألما وابتعدت عني عدة خطوات فركضت خلفها أسألها بتردد :

- راحه فين؟!

أجابتني بكلمات مقتضبة وسريعة كأنها تهرب مني :

- هغير هدومي

 عقدت النية على ان أحلها من أي رابط يربطنا سوياً واخرجت الكلمات بدون تدقيق او تفكير :

- احنا لازم ننفصل بعد فتره

وجهها تلون بألوان الطيف كما ازدادت نبضات قلبي تسارعاً وكأنني في سباق للعدو ومن كل قلبي رجوت ألا تطيعني ولكنها رددت بآلية تامه لتحفظ كرمتها بعدما ألقيته على مسامعها في ليلتنا الأولى :

- زي ما تحب

عدت أجر أقدامي خلفي ناحية الأريكة وجلست عليها " خائباً الرجا " كما يقولون ، وقعت عيناي على الحائط الكبير الذي اسندتها عليه حينما كنت أقنص قبلتها الأولى ومن بعدها.... توقفت عن الاسترسال قبل ان افقد عقلي مرة أخرى كما فعلت سابقاً ووقتها لن أسامح نفسي أبداً!

دقائق مرت علي كساعات طويلة لا تريد أن تنقضي حتى سمعت باب غرفة النوم ينفتح، لم أشعر بساقي وهم يركضان ناحيتها وانا في قرارة نفسي اريد الاعتذار منها على حديثي البارد معها ولكني سمعت غلق باب دورة المياه فعرفت أنها دلفت داخلها،

وقفت امام غرفة النوم متردداً للحظات حتى شجعت نفسي بالدخول إليها لأول مرة بعدما كنت مع عمال الاثاث واقسمت ان لا ادخلها مرة اخرى، فبرغم كرهي الشديد لغرفتي القديمة إلا أنني أحببت ما حدث فيها مع ألما،

نهرت نفسي للمرة التي فقدت عدها على ذهاب كل ما يجول بخاطري لتلك الليلة المشؤمة بحلاوتها البائسة بكل ما حدث بها من أشياء تجعلني أعيش حتى الأن على أمل تكرارها مرة أخرى وأنا أعاقب نفسي وأتحدها على العودة لمثل تلك الليلة!

خطوتين خطوتهما حتى وصلت للسرير في المنتصف أطالعه بشوق يكاد يفتك بي وأنا أتخيل ألما.. توقفت سريعاً حينما سمعت صوت همهمات بداخل دورة المياه وقبل أن ألتفت لاستراق السمع وجدت فستان زفاف ألما متكوراً في زاوية الغرفة،

مشيت نحوه وقلبي يكاد يتوقف من الألم فوجدت قميص نوم أبيض اللون ممزقاً تحته، اخرجته انظر إليه وألتاع قلبي لرؤيته وكأنني أرى قلبها ممزقاً أمامي ! يا ألهي ما ذا فعلت بها ؟!

رددتها بألم لم أعد أحتمله وازداد ألمي أضعاف مع سماع نشجيها يعلو من داخل دورة المياه ،

ركضت نحوها ووقفت امام الباب أستند برأسي عليه اترجاها بصوت يكاد يخرج من فمي :

- أرجوكِ يا ألما أخرجي

لم تجيبني وازداد صوت بكاءها يمزقني أكثر وأكثر حتى فقدت قدرتي على الاحتمال وفتحت الباب بقوة ودلفت بخطوات سريعة افترش الأرض بجوارها ،

حاولت التحدث معها فلم تجيبني وازدادت همهماتها وكأنها لا تسمعني ، لم أتردد للحظة في حملها واخرجها من دورة المياه وللعجب انها لم تقاومني او بالأحرى لم تسطع المقاومة لقد كانت مثل الخرقة البالية !

وضعتها على الفراش وأنا ألعن نفسي على ما قلته لها وكلما حاولت الحديث معها تزداد بكاء حتى وضعت يدها على وجهها وجسدها يرتعد امامي وكأنها فقدت السيطرة عليه !

ذهبت أجلب له كوباً من الماء علها تهدأ قليلاً ولكني حين يد عدت وجدتها طما هي ،

جلست امامها ووضعت كفي على يدها احاول نزعها من على وجهها قائلاً :

- أشربي يا ألما واهدي أرجوكِ

حركت رأسها نفياً رافضة لي ولكل ما اتفوه به ، فكرت قليلاً ان اتركها بمفردها كي تستجمع نفسها قليلاً فلعلها تخجل مني أنا أرى ضعفها هكذا ولكني ابعدت فكرتي الحمقاء عن رأسي فأنا لن أتركها في هذه الحالة وان كنت سببها في النهاية ،

شعور اجتاحني كي أضمها إلي لم اتجاهله وقررت السير معه ، امسكت بكتفيها ادفعها نحوي حتى استقرت على صدري ،

ازدادت دقات قلبي علواً وشعرت براحة لم اعهدها من قبل وكأن هذا مكانها الصحيح مثل احجية اكتملت بصورتها الأخيرة ،

استندت بذقني على رأسها بدفيء ملأ حواسي وخاصة عندما بدأ يجسدها يستكين بين يدي ،

لحظات مرت تمنيتها تدوم لسنوات ولكني كدت ان اصاب بخيبة أمل عندما تململت ألما بسن يدس حسبت أنها ستتركني ولكني تفاجأت عندما أخرجت ذراعيها تلفهما حول جذعي وكأنها تتشبث بي ،

أغمضت عيني وانا لا أريد شيئاً أخر سوى وجودها في احضاني بالقرب من قلبي ،

لم ادري كم مر من الوقت ولكن ثقل جسدها على ذراعي انبئني أنها قد غفت ،

قمت بوضعها ممددة على الفراش ودثرتها بالغطاء ثم تمددت ملتصقاً بها بعدما أخذت رأسها على ذراعي وتركت العنان لجسدي كي يستكين هو الأخر واستسلمت للنوم ،

استيقظت عند حلول الصباح فوجدتها على وضعها تغفو ووجهها مثل الاطفال ، تمنيت لمس بشرتها بشفتاي وتسلل شعور الرغبة بداخلي مما جعلني انتفض قائما لدورة المياه ،

وقفت تحت صنبور المياه بعدما اخفضت درجة الحرارة فأصبحت المياه باردة للغاية كما أردتها لتطفئ قليلاّ من نيراني الداخلية ،

انتهيت بعدما شعرت ببرد قارس وخرجت نحو المطبخ دون النظر لغرفة النوم مرة أخرى ،

قررت تحضير وجبة مكتملة اكفائها بها على سماحها لي بالنوم وهي في احضاني ، ولكني مؤكد لن ابوح لها بذلك ،

استغرقت نصف الساعة حتى انتهيت من تحضير فطاراً مذهل بالنسبة لي ، خطوت نحو غرفة النوم وأنا أردد أسمها حتى اوقظها ولكني توقفت حين وجدتها مستيقظة تنظر نحوي بجبين متجعد أثر انزعاجها ،

حاولت ازالة حاجز قد وضعته الليلة الماضية ورددت مبتسماً :

- صباح الخير

أجابت بسؤال أربكني لعدة لحظات :

- أنت نمت فين امبارح؟!

ما هذا السؤال الغبي ! ترددت لحظات احاول استيعاب مقصدها ولكني أجبت وأنا أشير بجوارها :

- نمت هناك

تغيرت ملامح وجهها الحادة وارتخت قليلاّ وقد احمرت وجنتها وهي تسألني :

- جنبي يعني؟!

خطوت نحوها بعدما فهمت مقصدها وسبب غضبها الصباحي فقد ظنت انني تركتها ونمت في مكان آخر ، قررت مشاكستها قليلاً وانحنيت انظر لعينيها الزرقاء اللامعة

- عندك اعتراض؟!

هزت رأسها بالنفي وقد كسى وجهها الحمرة فقررت الانسحاب حتى لا أتمادي والتهمها بدلاً من إفطاري وهذا الخيار ليس مطروحاً ابداً !

ابتعدت عنها خارج الغرفة في محاولة لعودة الامور إلى نصابها :

- طيب يلا فوقي عشان نفطر

ثم وقفت أتسأل محاولاً إلهاء نفسي :

- شاي ولا نسكافيه

اجابتني وهي تبتلع ريقها بتأثر وصوتها وصلني عنوة :

- نسكافيه

حركت قدمي بصعوبة بالغة نحو المطبخ لأحضر لي ولها "النسكافيه " وعلقي يدور بشكل جنوني ولم تعد سيطرتي على نفسي تجدي نفعاً وحتى الالهاء أصبح ثقيلاً جداً ،

سمعت صوت أغلاق باب دورة المياه فأيقنت انها خرجت من غرفة النوم، وددت لو انتظرتني قليلاً ،

" ما هذا الهراء الذي أفكر به أفق يا مصطفى وسيطر على نفسك لو حدث واقتربت منها ستكون النتيجة كارثية "

هكذا حدثت نفسي وانا أعرف جيداً نتيجة التمادي بهذا التفكير،

انتهيت من صنع القهوة بشكل مميز فقد نفعني تزيين الطعام والشراب في الالهاء حتى الان ، لم تخرج ألما من دورة المياه حتى الأن، شعرت بالقلق ان تكون عادت لحالتها مرة أخرى فانطلقت نحو دورة المياه اطرق الباب عليها بقلق فوجدتها تفتحه لتقابلني،

حاولت رسم الحنق على وجهي وأنا امزح معاها حتى لا ترى قلقي الحقيقي، انطلقنا نحو غرفة الطعام وقفت امام الطاولة فاغرة فاها بدهشة وانا اردد بداخلي " لا تعلمين أنني فعلت ذلك لأمنع نفسي الحيوانية عنك "

اخرجت المقعد من موضعه ونظرت ابتسم نحوها وأقلب الأمور للمزاح كعادتي وكأنني اهزأ من نفسي :

- ما تستغربيش انا ما بعرفش اكل اي اكل

ثم غمزت لها بعيني لأكمل مسرحيتي التي لا أعرف متى ستخط كلمة النهاية :

- هتعبك جامد يعني

ثم نظرت لطبقي وبدأت أكل بشهية تكاد تكون معدومة وأنا اتجنب النظر نحوها كما فعلت هي بالمثل حتى انتهينا،

قامت هي لتزيل الأطباق فوقفت اساعدها، خطت امامي تحمل بعض الاطباق وانا خلفها بأكواب القهوة وحين عودتها اصطدمت بي، اعتدلت في وقفتها وحين نظرت لعينيها تذكرت البارحة وهي بين ذراعي تشدد من احتضانها لي ، كيف استطعت تجاوز هذا الأمر وتناسيت كم من المرات اشتهيتها!

ازدادت الرغبة بداخلي وشعرت بالخطر يدق اجراسه في عقلي وهي تقف تبادلني النظرات وصدرها يعلو ويهبط امامي من سرعة تنفسها وكأنها تدعوني للاقتراب منها حد الخطر!

ازلت جسدي عنوة من أمامها ووقفت موازياً للحائط حتى تنر من أمامي لعل هذا العذاب ينتهي مؤقتاً، خطوت نحو حوض لمطبخ كي أضع الاكواب بداخلها فوجدتها مازالت خلفي تردد بصوت يقطر ألماً :

- أنا مش عاوزه اسيبك يا مصطفى

التفت نحوها مندهشاً لما تفوهت به وقد ألجمتني كلمتها فلم أدري حقاً ما أقوله لها غير الحقيقة التي تصرخ بداخلي !

اقتربت منها امسك بكفها الدافئ المرتعش وأخذتها نحو غرفة الجلوس ثم اجلستها على المقعد أمامي لأعترف لها :

- هتصدقيني لو قولتلك ولا انا هقدر اعيش من غيرك

حاولت مقاطعتي ولكني أشرت لها حتى أكمل :

- بس أنا كدا هظلمك بجد

نزعت كفها من يدي بعنف شديد ووقفت تصرخ بي :

- كل شويه تقولي هظلمك هتظلمني ازاي ؟!

لم استطع السيطره على ما بداخلي واخرجته في وجهها :

- مش هقدر المسك تاني وقولتلك كدا من زمان افهمي بقى

لم اتحمل رؤيتها تنهار ثانية وبخطوات واسعة تركتها وذهبت، تفاجئت بيدها التي كانت دافئة منذ ثواني اصبحت باردة مثل الثلج وهي تُمسك معصمي لألتف نحوها، نظرت نحو عينيها المليئة بالغيوم وهي تقول لي :

- وانا مش عاوزه منك حاجه انا عاوزه بس افضل جنبك

أكثر ما يغضبني بها هي غبائها المطلق تظن هذه البلهاء أنني أريد الابتعاد عنها؟! لا تعرف أني اتمزق ارباً وأنا أكنع نفسي عنها، لاتدري كم من العذاب اعيش وانا اتباعد عنها كم مرارة اتجرع وانا اعاملها هكذا!

حركت رأسي يميناً ويساراً برفض وأنا أقرر حقيقة وصفي :

- مش هقدر اعلقك كدا ! كفاية اني كنت قذر وندل معاكي ما ينفعش اكمل اناني يا ألما ،

لم تتحمل أعرف هذا جيداً، فقد تركت العنان لدموعها الحبيسة لتخرج دون انتظام ، يا ألهي كم ستعاني معي ألما ؟!

جلست على اقرب مقعد خلفها وجلست انا على ركبتي امامها وأنا أشعر بقلبي سينفجر من الضغط عليه، امسكت بوجهها الجميل بين يدي احاول ان اُفهمها ما بداخلي علها تلتمس لي قليلاً من العذر :

- والله بحبك ونفسي اخرج من احساسي بالذنب نحيتك انا بموت يا ألما بجد انتي مش حاسه بيا انا مش عارف اعمل حاجه في نفسي انا من يوم اللي حصل وانا بتعذب بس لدرجة اني حاسس بالعجز قدامك نفسي اسعدك ونعيش زي الناس بس غصب عني مش قادر ،

اعترفاً كان ثقيلاً علي لدرجة أنني لم أستطيع اكمال حديثي وقمت من مكاني منتفضاً فوقفت هي الأخرى تواجهني وهي تقول :

- انا وانت محتاجين مساعده

- توقفت عند كلمة "مساعدة" وانا مشدوهاً! لقد اربكتني بالفعل، من سيساعدني لتجاوز هذا العذاب؟!

- فهمت ألما حيرتي وأكملت :

- تعال نروح للدكتور النفسي اللي كنت عنده امبارح وانا متأكدة انه هيقدر يساعدنا نتخطى اللي حصل

ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟! ماذا سيفعل الطبيب النفسي فيما اعانيه؟! هززت رأسي نفياً بالطبع هي تهزي، كيف سأذهب لطبيب نفسي احكي له عن علاقة اقمتها معاها! عن عرضي الذي انتهكته دون ذرة تعقل؟! ام أنني سأحكي له عن ظني بها؟! لا لا لا لن استطيع،

لم تستسلم ألما وهي تترجاني :

- عشان خطري يا مصطفى لو بجد بتحبني وعاوزنا نكمل مع بعض وب..

وقبل أن تُكمل رجائها كانت عائلتينا أمام الباب، حمدت الله انهم جاءوا في الوقت المناسب فأنا لن أستطيع فعل ما تريده ألما ولن استطيع ايضاً الرفض وكسر قلبها ثانية ،

انطلقت ألما من أمامي وأنا ذهبت لاستقبالهم ، رحبت بالجميع وتسألت خالتي عن ألما فأجبتها :

- في الاوضة بتغيير هدومها

جلس الجميع وكل منهم يتحدث بأمر ما وخالتي لا تجلس براحة لا أعرف سببها وفجأة قامت من مكانها واستأذنت معللة :

- هروح اشوف ألما اتأخرت ليه

ابتسمت وأنا أتحدث مع زوج خالتي وشادي في موضوعه المفضل " كرة القدم " على أشتت تفكري قليلاً ،

دقائق عدت العشرة وأنا أنظر للساعة وعندي فضول كبير أعرف ما تفعله خالتي مع ألما في غرفة نومنا ولكن فضولي لم يستمر كثيراً حين وجدتها تتقدم نحونا ووالدتها خلفها، للحظات حدقت بها وقد أثرني جمالها الأخاذ وهي ترحب بوالدها وأخيها وشعرت ببعض الغيرة حينما قبلها والدها واخيها واحتضنوها بحب كبير، تذكرت وهي نائمة في أحضاني الليلة الماضية جعلت القشعريرة تسري في جسدي، ولكن عائلتي التي طرقت على باب الشقة جعلتني اخرج من شرودي،

استقبلتهم وانضموا إلينا، حديث خرجنا منه لحديث وأخر وعقلي لا يتوقف عن قول " ماذا بعد؟! "

ماذا سأفعل معها يجب أن أوجه حقيقة الأمر لن أستطيع تركها كما تفوهت به مجرد ترهات ارددها لا تخر سوى من حلقي ولن أستطيع أيضاً العيش وكأن شيئاً لم يحدث!

توقفت عندما لاحظ أبي شرودي وسألني عما بي ، قلبت الامر لمزاح حتى مر الوقت وانسحب الجميع راحلين،

سأنفرد بها مرة أخرى لا لن يحدث يكفي ما حدث اليوم، ودعت الجميع على باب الشقة ودلفت لغرفة النوم ابدل ملابسي فأتبعتني تتسأل بعدم تصديق :

- انت خارج؟!

أكملت ارتداء قميصي وأنا أجيبها :

- ايوه ، محتاجه حاجه من بره؟!

علت نبرة صوتها حنقاً :

- احنا مخلصناش كلمنا لسه

"أنا أهرب منك " هل اصارحها بذلك يكفي جرحها إلى هذا الحد يجب علي أن أذهب بعيداً عنها لأفكر جيداً ستتشتت أفكاري بقربها ومؤكد لن اقدر على مقاومتها بعيداً عني،

اكملت ارتداء ملابسي وهي تنتظر اجابتي امام باب الغرفة ، اجابتها وانا اخرج من الباب :

- لما أرجع نكمل كلامنا

خرجت من الشقة بهدوء حتى لا يشعر بي أحد من عائلتي سيتساءلون عن سبب خروجي اول يوم زواج لي ولن استطيع ايجاد رداً منطقياً، صعدت لسيارتي وأدرت محركها ولم اجد امامي سوى منقذي " عمر " يجب ان اخبره ما يحدث معي عله يفديني برأي سديد ،

تحدثت معه لمقابلتي وبرغم تعجبه لم يتسأل عن السبب وهو يقول لي :

- تمام هقابلك في مكانا

وصلت مقهانا المعتاد وجلست على احدى الأرائك أنتظره وكما هي عادة عمر لم يتأخر علي منذ كنا في العاشرة من عمرنا،

جلس بجواري فابتسمت له ممتناً فهو الوحيد الذي لم يخذلني طوال خمسة عشر عاماً، نظر نحوي ببلاهة مردداً :

- مالك بتضحك زي الاهبل كدا ليه

اجابته وانا أضحك أكثر :

- بضحك على خيبتي

أخذت نفسا! عميقاً فلتفت لي عمر بكل حواسه مستمعاً، قصصته له ما حدث اختصارا ودون تفاصيل كثيرة لا تهم،

نظرات عمر لي قتلتني صدمته في كانت واضحة جلية ، ظل صامتاً ينظر نحوي نظرات تحرقني حياً ولكني تحملتها لأنني استحق،

- قولي بقى اعمل ايه دلوقتي

سألته بحيرة لجعله يتحدث معي بدلاً من نظراته المحتقرة هذه ، ولكنه بدلاً من أن يجيبني اطلق لسانه بسباب كثير وغضبه اصبح يتصاعد ولم استطيع ان اجعله يتوقف فصمت حتى انتهى، وقولت له :

- خلصت، قولي بقى اعمل ايه

كاد ان يصفعني ولكنه تمالك نفسه قائلا بحزم واضح :

- تبقى راجل مش هقولك أكتر من كدا

ثم تركني جالساً وذهب، وبرغم أنه لم يتفوه بشيء مفيد إلا أنني عزمت أمري وقررت أن أستمع لنصيحته سأصبح رجلاً وأعوضها عنا فعلته بها ولكني أحتاج للمساعدة كما اقترحت ألما بل نحن الاثنان نحتاج إليها،

خرجت من المقهى للسيارة وخطرت لي فكرة حين شعرت بالجوع، امسكت بهاتفي وطلبت شادي اسأله عن أكثر طعام تحبه ألما، أخبرني أنها تعشق

" الشاورما والشكولاتة " شكرته بشدة وأغلقت الخط قبل ان يتسأل عما افعله بالخارج الأن،

قدت لأقرب مطعم يصنع طعامها المفضل وابتعته لها وقمت بشراء نوعها المفضل من الشكولاتة وعدت للمنزل ، فتحت باب الشقة فوجدتها تركض نحوي مبتسمة، تعجبت لحالتها هذه كنت أنتظر أن أراها غاضبة!

كما تذهلني هذه الفتاة بطباعها الغريبة،

ابتسمت نحوها وأنا ألوح أمامها بكيس الشكولاتة وحلواها المفضلة فتعجبت قليلاً ثم اخذته من يدي بلهفة لتفتحه سريعاً وتشهق بسعادة كبيرة جعلتني اكاد اطير فرحا واردد شكراً كبيراً لشادي ، ثم اعطيت لها علبة الطعام وهي مازالت تنظر نحوي بذهول فقلت لها :

- هغير واجيلك ناكل سوا

ابتسمت حين سمعت صوتها العالي بسعادة وهي تردد :

- شاورمااا

بدلت ملابسي سريعاً وذهبت إليها وأنا اقول لها بحماس :

- يلا ناكل

نظرت نحوي متسائلة :

- عرفت منين اني بحب الحاجات دي بالذات؟!

اجابتها وانا اناولها شطيرتها :

- استعنت بصديق

ضمت حاجبيها تعجباً وهي تأخذ الشطيرة من يدي :

- شادي اللي قالك؟!

هززت رأسي إيجاباً فابتسمت نحوي ابتسامة جعلتني اتوقف عن الأكل وهي تقول :

- شكراً لأنك اهتميت تجيب اللي بحبه

اسرتني بكلماتها وابتسامتها فبادلتها الابتسامة بأخرى ممتنه :

- شكراً لأنك معايا

توقفت عن الاكل عي الأخري وتبدلت نظرتها السعيدة بأخرى هائمة بحب لا استحقه حقاً وقالت لي :

- وهفضل طول العمر معاك

تنهدت بعشق وأنا أقترب منها هامساً :

- وأنا قررت أروح للدكتور بتاعك

تركت شطيرتها من يدها وكادت تقفز من السعادة ولكنها فعلت ما لم اتوقعه حقاً ! ارتمت في أحضاني تلف يدها حول جذعي قائلة :

- بحبك جداا بقى

لم اجد سوى الضحك بسعادة بالغة وانا أردد :

- وانا كمان

ابتعدت عنى وهي ترفع حاجبها باستنكار قائلة :

- وانت كمان ايه؟!

علت دقات قلبي اثر جمالها ودلالاها فملت على أذنها هامساً :

- بحبك يا أجمل ما شافت عيني

تنهدت بعمق وقبلت أنا وجنتها بشوق كاد يفتك بي ولكني لن أقدر على التمادي الأن، اكتفيت بهذه القبلة فهي أول خطوة في الطريق ونظرت نحوها لنكمل طعامنا ونتحدث في أموراً عديدة قد مرت علينا وكأننا نعيد ترتيب علاقتنا من بدايتها ، وسنصل يوماً للنهاية التي طالما تمنيتها …

****************************************************

تمت بحمد الله

شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات:

بنى نعمان حول العالم

سلسلة بنى نعمان حول العالم