حكايات من عالمي الخاص ( بدر رمضان)

بدر رمضان كاتبة مصرية وهذه مدونتي الخاصة التي تحتوي على أعمالي الالكترونية المجانية، والكثير من المقالات الخاصة بالعالم الأخر.

( حب وخطيئة) 23


 

الخُلّة : هي المرتبة الثانية عشرة في الحب، وتعني توحيد المحبة، ووضع المحبوب بمقام مُطلق لا يحتمل فيها المشاركة على الإطلاق.

" هي تحيا لتسعد بالحب "

مرت ستة أسابيع وأنا طريحة الفراش ، أنهض لدخول دورة المياه بمساعدة أمي لأنني لم أزيل جبيرة قدمي بعد فاليوم هو المقرر من قِبل الطبيب لكي ينزع جبيرتي فمنذ أسبوعين نزعت التي تخص كتفي ،

لم تذهب أمي اليوم للسوق كعادتها منذ عدت من المشفى كي تبتاع لي ملابس تخص زفافي وأشياءً كثيرة أخرى تخص المطبخ ومقتنياته التي لا تعد ولا تُحصى ،

أتذكر حين عدت من المشفى وبعد مرور عدت أيام وأنا طريحة الفراش شعرتُ بضجر شديد وكدت أختنق من البكاء فأنا لا أفعل شيئاً في يومي سوى النوم والنوم والنوم والجلوس وسط عائلتي ثم النوم حتى أصابني الاكتئاب ،

وقتها جاءني مصطفى وجلس بجواري يطعمني بعدما رفضت الطعام من امي عدة مرات فما كان منها إلا أن تستدعيه على الفور ،

ورغم تعجبي لأمرها بعدما كانت تُكن لمصطفى مزيداً من مشاعر الكره تجاهه ، الأن أصبح منقذها التي تحبه كثيراً وتلجأ له في كل كبيرة وصغيرة تخصني أو حتى تخص أبي وأخي لقد أصبح مصطفى صندوق أسرارها فبمجرد جلوسها تتبدل حالتها المزاجية إلى النقيض بعد الضيق والصراخ بأخي وحتى أبي يأتي مصطفى ليجلس معها قليلاً من الوقت لتخرج بعدها بصوت ضحكاتها التي تملأ المنزل ،

فكثيراً ما تراودني أفكاراً حول أمي كيف ستكون ردة فعلها حين تعلم ما فعلناه أنا ومصطفى ؟!

خرجت من شرودي يومها على صوت مصطفى وهو يحدثني حاملاً في يده كيس كبيراً يفتحه ليريني ما بداخله وهو يقول :

- جبتلك خيط صوف وإبر كل المقاسات عشان تسلي نفسك الشهرين دول وما تحسيش بالزهق ،

ثم ختم حديثه بابتسامة وغمزة من عينه ليكمل :

- يعني أعمليلي كدا حاجه على زوقك

ابتسمت على حركاته الطفولية ثم قلت له :

- أنا أصلاً عمري ما أشتغلت كروشيه ولا أعرف بيعملوه ازاي

حمل طاولة الطعام من أمامي وأتي بحاسوبي ليضعه مكان الطاولة على قدمي ثم فتحه وهو يقول :

- اليوتيوب مخلاش حاجه هجيبلك شوية فيديوهات هيعلموكي من الألف للياء

عجبتني فكرته إلى حد ما برغم تخوفي من عدم قدرتي على هذا العمل فهو يحتاج لصبر وأنا بطبعي لست صبورة ولكن لم يكن أمامي حلاً أخر فأنا سأجلس هنا لمدة لا تقل عن شهرين سأحاول تنفيذ فكرة مصطفى العبقرية علها تفيدني ،

والان وبعد مرور ستة أسابيع استطعت إنهاء بلوفر بألوان متعددة صنعته لأجله ، دخلت أمي من الباب وأنا أنهي أخر صف فيه لتتعجلني قائلة:

- يلا يا ألما قومي يا حبيبتي أما ألبسك عشان نروح المستشفى معادنا قرب وأخوكي ومصطفى مستنين بره ..

قطعت الخيط بعدما ربطه جيداً وأخيراً أنهيته رفعته لأعلى بابتسامة نصر لأريه لأمي فشهقت من إعجابها ثم رددت :

- بسم الله ماشاء الله ايه الجمال دا يابنت

ثم بأعلى صوت لها صاحت :

- مصطفى تعالى شوف

وبأقصى سرعة لي وضعته تحت الغطاء وأنا أصرخ بأمي كي تتوقف عن مناداته ولكنها حين فهمت مقصدي كان مصطفى أمام الباب يتسأل :

- في ايه يا خالتو

حركت رأسي نفياً وأنا أنظر نحو أمي بغيظ حتى تداركت الأمر بقولها :

- مافيش بس ألما كانت رافضه تروح للدكتور لأنها خايفه بس لما نديتك قالتلي خلاص هقوم ..

تنفست الصعداء وتحملت لوم مصطفى لي وهو ينعتني بالمدللة ولكنه توقف في النهاية وتحولت نبرة اللائمة لأخرى حانية وهو يطمئنني ويحاول إزالة خوفي الوهمي ...

خرج مصطفى من الغرفة وأمي تقف في الزاوية تكتم ضحكاتها فنظرة لها بلوم لتقترب هي مني تُقبلني وتساعدني لكي أرتدي ثيابي ،

انتهيت وخرجت من الغرفة بمساعدة أمي فقام مصطفى على عجل وأخذني من يد أمي كي أستند عليه ، جاء أخي من الجانب الأخر فأشار له مصطفى أن يتراجع ويسبقنا للسيارة ،

تبعته أمي وسرنا خلفها على مهل وأنا أضع يدي على كتفه وهو يمسك بخصري ليرفع قدمي الملفوفة في الجبيرة ،

هبطنا من أعلى الدرج ببطئ فاقتربت بوجهي من رقبته التي تميل نحوي فاستنشقت رائحته المفضلة لدي التي أعشقها ، فأنا لم أقترب منه لهذا الحد منذ ما حدث بيننا ،

اقشعر جسدي بين يديه ولم أتردد حين أملت برأسي نحو أذنه لأهمس له :

- وحشتني قوي على فكره

أنتفض جسده بجواري وشعرت بارتباكه الواضح وهو يتقدم للأمام ليفتح لي باب السيارة الخلفي ثم أمر أمي التي جلست بجوار أخي بالأمام أن تعود للخلف لتجلس هي بجواري ،

تعجبت أمي فهي اعتقدت أنه سيحب الجلوس بجواري ولكنه لم تعترض وترجلت من مكانها ،

بعدما جلست أمي بالداخل حملني بين يديه ليضعني ممددة بالخلف وراسي ناحية أمي ،

رأيت ابتسامة أمي الفخورة به فهي تعتقد أن لا يريد أن أتمدد هكذا بجواره وأضع رأسي على قدميه وخصوصاً أنه لم يصبح زوجي بعد ، ابتسمت بسخرية كبيرة فمصطفى يجيد دوره بامتياز ،

جلس هو بجوار أخي بعدما أغلق باب السيارة وهو يتجنب النظر لي ظلوا يتحدثون طوال الطريق عن شقتنا وما وصل له مصطفى في التجهيزات فأخبرهم أنه أنتهى أخيراً من الشقة وقد أصبحت جاهزة تماماً لاستقبالنا لم يتبقى سوى الأثاث الذي سيبتاعه أخر الأسبوع ،

وبعدها سيتفرغ لتجهيزات الفرح ، ثم ألتفت برأسه نحوي ليخبرني أنه يريد اصطحابي معه لنختار الأثاث معاً ،

ولكنه لا يعلم أن اخر ما يشغلني الأن هو الأثاث والمنزل والزفاف وكل ما يخص هذا اليوم جُل ما أفكر به هو علاقتي به هو وكيف حدث هذا الجفاء بيننا برغم أنه في الأسابيع الماضية كان أقرب لي من أي وقت أخر ولكنه كان قريباً بجسده واهتمامه أنما بقلبه كان بعيد مثل المسافة بين المغرب والمشرق ،

علاقتي به لا توصف سوى أنها أقل من عادية ، حتى محادثاته معي على الهاتف جميعها للاطمئنان على حالتي الصحية ومحافظتي على تناول الغذاء السليم مع حرصه الشديد على ألا أشعر بالملل من جلوسي بمفردي وقت خروج أمي لتبتاع جهازي حتى زيارته كانت بجلوسي معه أنا وأمي وأبي وأحياناً كثيرة أخي ،

وإن حدث وتركونا بمفردنا لبعض الوقت فهو يشغل هذا الوقت بالحديث عن يومه وعن صالته الرياضية وما يحدث بها وإن حاولت الحديث عن علاقتنا يهرب بأي وسيلة متاحة لديه ،

وأخرها كان يستأذن مني ليعود لمنزله معللاً ذالك بإرهاقه الشديد واحتياجه للراحة والنوم ،

نظرت نحوه فوجدته مازال ينتظر اجابتي لأعطيه موعد كي أذهب معه لنبتاع أثاثنا سوياً أجبته وأنا أحرك رأسي بإهمال :

- مش مهم أكون موجوده ممكن تاخد ماما أو بابا أو حتى شادي لأني مش هقدر على مشوار زي دا

هز رأسه إيجاباً وعاد ينظر للأمام وهو يقول :

- زي ما تحبي وعموماً أي حاجه هتعجبنا هبعتهالك على الواتس ونختار سوا

لم أجيبه فأنا غاضبة منه بشدة أنه يشعرني أنني بلا قيمة أقول له أنني اشتقت إليه كثيراً فلا يجيبني وكأنني أحاول فرض نفسي عليه ،

انتهت زيارة الطبيب وعدنا للمنزل وهرب مصطفى كعادته من مواجهتي دون أن يتحدث معي بمفردنا كل ما حدثني به أن لا أُحمل على قدمي وأنا أخطو عليها ، دلفت لغرفتي ومنعت أمي من مساعدتي في تبديل ثيابي فقد تعبت معي كثيراً حتى الأن،

 وبرغم استيائي لكل ما حدث اليوم إلا أنني سعيدة لأني أصبحت بخير وأستطيع التحرك دون ألم مبرح، حمدت الله على سلامتي وقررت الهرب للنوم، تدثرت بغطائي وأغمضت عيني عنوة طاردة كل الأفكار التي تؤرقني منذ أسابيع طويلة ولكن هاتفي لم يرغب بذلك،

رنينه المزعج جعلني أضطر للقيام مرة أخرى لأرى من المتصل، وجدتها مروة وللمرة العاشرة أعرف سبب اتصالها فهي لم تقتنع بعد أنني كلما حاولت التحدث مع مصطفى بشأنها يتركني ويذهب ،

وبرغم أن همي يكفيني إلا إنني أجابتها وحاولت تهدئتها من البكاء المستمر، كم من المرات نصحتها أن تتركه وتنتظر ولكنها لا تستطيع رؤيته أمامها كل يوم وهو يتجاهلها وكأنها غير مرئية وقد فشل كلاً من والديها لرأب الصدع بينهما كما فشلا في معرفة سبب قطيعة مصطفى لأخته الوحيدة ورفضه التام الصلح بينهما أو جعله يتحدث معها ولو مجرد حديث عابر،

انهيت حديثي معها بعد مرور ثلاثون دقيقة ووعدتها أنني سأتحدث معه مرة أخرى كما أخبرتها أنه في أخر مرة أتيت بذكرها لم يدعني أكمل جملتي وتركني وذهب ،

امسكت هاتفي بعدما انهيت الحديث معها وعقلي يحثني على الاتصال به وجعل مروة مادة جيدة لكي أفرغ غضبي منه على ما فعله معي اليوم ورغم ترددي الشديد إلا ان الفكرة أعجبتني كثيراً،

لم انتظر بعد وضغطت زر الاتصال وانتظرت إجابته ولكن الرنين انتهى ولم يُجيب!

 تصاعدت الدماء لرأسي فكيف لا يجيب على اتصالي مؤكد هو يعلم أني أريد التحدث عن برودة الشديد معي اليوم لهذا لا يريد إجابة اتصالي،

أعدت الاتصال مرة أخرى وأنا أهز قدمي السليمة بتوتر وغيظ شديدين يجب أن يعرف أن سبب أتصالي به هو مروه وقبل أن ينتهي الرنين أنفتح الخط وظهر صوته ناعساً،

لومت نفسي للحظات على ظني ولكني تنحنحت وأجابته :

- أنا صحيتك من النوم؟!

حاول أن يجلي صوته لكي يجعله واضحاً:

- ولا يهمك يا حبيبي خير!

تعالت نبضات قلبي ونسيت كل ما فعله اليوم بي وتلاشى غضبي منه كهباء منثورا وأنا أردد جملته في عقلي وأبتسم لقد نادني " حبيبي "

فوجدتني أقول له وأنا أحاول السيطرة على ما يحدث بداخلي الذي يأن وهو ينتظر ولو جملة بسيطة منه تشعرني بقيمتي وأنه مازال يحبني :

- أنا فعلاً حبيبتك يا مصطفى؟!

تنهد بعمق وكأنه مازال غارقاً في أحلامه :

- أنتي كمان وحشتيني جداً وأكتر مما تتخيلي

نبضات قلبي المتسارعة كادت أن تصم أذني ولكني لم أجد كلمات أستطيع من خلالها الإجابة عليه فلازمت الصمت حتى أستمع له وكل خلية بداخلي تتأهب بشوق لسماعه ولكنه حطمني حين قال لي :

- بس أرجوكِ يا ألما بلاش تقوليلي كدا مرة تانيه لحد ما نبقى في بيتنا

أحترق داخلي وأنا أتسأل بتعجب لماذا يحدثني هكذا! أنا لا أريد منه شيئا سوى أن يخبرني أنه مازال يحبني ويريدني ، هل فهم من حديثي أنني أريد اشتقت لعلاقة معه؟!

عند هذا الحد انفجرت الدماء برأسي وشعرت أنه ألقى بدلو ملئ بالثلج فوقي فباغته بالقول وأنا انهت من الانفعال :

- أنا اتصلت بيك عشان مروه على فكره ولو بتتكلم على اللي قولتهولك واحنا رايحين المستشفى فانا ماةقصدتش اي حاجه من االي جت في دماغك المريض دا انا بس قولتلك كدا لاني ما شوفتكش من كام يوم وعموماً انسي كأني ما قولتش حاجه...

لم انتظر إجابته وانهيت المكالمة ثم اغلقت الهاتف نهائياً واجهشت في البكاء ، حتى أبسط الكلمات يأخذها على محمل أخر ولكني لا أستطيع لومه على ذلك فهذا كله من صنع يدي، فكما اخبرني من قبل انه حين قبلني تركت له جسدي يفعل به ما يشاء دون رفض أو حتى تملل فله كل الحق فيما يظنه،

نمت على حالتي المزرية ولم افتح هاتفي سوى في صباح اليوم التالي وحين فتحته وجدت منه عدة رسائل تُفيد الاعتذار وأنني فهمته على نحو خاطئ وان ما يقصده كان اشتياقه الدائم لي وهو لا يريد منا ان نكرر خطأ اخر ، ورغم ان رسائله كانت بغرض مصالحتي ولكنها أكدت ظنوني فهو يعرف جيداً مدى ضعفي أمامه ويظن أنه بمجرد الحديث عن الحب والاشتياق سأدعوه للفراش بكل لهفة ولن أستطيع التحكم في جسدي كما فعلت سابقاً !

تجاهلت رسائله كما تجاهلت زيارته المتعددة ومحاولاته الدائمة لجعلي افهم مقصده وهو لا يعرف اني افهمه أكثر من نفسي !

مر الاسبوعين سريعاً وبدأت أسير على قدمي بشكل يبدوا جيداً وجاء يوم زفافي المنتظر !

لم أنم قبلها بثلاثة أيام سوى بضع ساعات قليلة، الكل يعتقد أنني مثل أي عروس أصبت برهاب ليلة الزفاف كما الجميع وعلاج ذلك كان مزيداً من الضحك الكثير ومقولات مأثورة لترفه عني،

استيقظت يومها أطالع ساعتي فوجدتها الحادية عشر تأففت بضيق فأنا لم استطع النوم سوى التاسعة صباحاً وكأنني أعزف عن النوم رغماً عني ،

نظرت حولي فوجدت غرفتي تنقلب رأساً على عقب ، فستان زفافي معلقاً امام خزانتي وفي الأسفل يقف حذائي الأبيض ذو الكعب العالي المليء بالتطريز وطقمي الأبيض الداخلي مطوي بعناية في نهاية فراشي وصوت الهرج والمرج بالخارج يدل على أن زفافي بالفعل هو اليوم،

وأنا لا أشعر بشيء سوى الرعب من القادم وتساؤلات عديدة تكاد تفتك برأسي، ماذا سنفعل الليلة أنا هو حين يُغلق علينا بابٍ واحد؟!

ابتلعت ريقي بصعوبة وصداع رأسي يهاجمني من قلة ساعات نومي

منذ اسبوع مضى ،

فركت رأسي بشدة وأنا اردد في عقلي

 " لا لن أستطيع تمرير هذا اليوم هكذا "

وقفت أفكر ماذا علي أن أفعل درت حول نفسي عدة مرات ووجدتها يجب علي مقابلة الطبيب النفسي لو استمر الأمر هكذا سأنهار قبل إتمام اليوم،

أخذت هاتفي من فوق المنضدة واتصلت فورا على العيادة الخاصة به فأجابتني الفتاة المسؤولة ولكن لسوء حظي فإن الطبيب لن يأتي العيادة قبل الثالثة عصراً وأنا وقتها سأكون في صالون التجميل ولكني لم أتردد في الحجز بإسمي ورجوتها أن تجعلني أول حالاته،

سأترك كل شيء وأذهب إليه لن أستطيع مواجهة ما سيحدث بمفردي!


شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات:

بنى نعمان حول العالم

سلسلة بنى نعمان حول العالم