إيروتومانيا
" عندما يُبدع العقل فينسج خيال "
مقدمة...
فما في الأرض أشقى من محب
وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين
مخافة فرقة أو اشتياق
فيبكي إن ناءوا شوقًا إليهم
ويبكي إن دنو خوف الفراق
فتسخن عينه عند الفراق
وتسخن عينه عند التلاق
أطلقت تنهيده من أعماق قلبها المكلوم و أغلقت الكتاب الصغير الذي بيدها لتتحسس اسمه على الغلاف، ثم اعتدلت في مجلسها على الفراش لتعود للخلف تستند بظهرها على الوسادة وتريح رأسها الذي أتعبه التفكير، لتغمض عينيها سريعًا وتتمدد على ظهرها بعدما وضعت الكتاب تحت وسادتها كما كان،
عندما سمعت اقتراب إحدى الممرضات من غرفتها ويبدوا أنها تتحدث لأحدهم قائلة :
- مش عارفة.. أنا لسه هادخل لها أهوه.. يا رب تكون فاقت أحسن دكتور أكرم هايروح في داهية لو المريضة دي ما بقتش كويسة !
الفصل الأول..
- المأذون جه يا ياسمين كل دا بتعملي إيه ؟!
قالتها أمها بصوت عالٍ بينما تقف ياسمين خلف الباب المغلق ودموعها تتساقط وهي تتوسل لمن خلفها :
- أرجوك سيبني أخرج أنا كدا هتفضح
جسده يهتز من الغضب ووجهه مُحتقن بالدماء يكاد داخله ينفجر وهو ينظر نحوها :
- أنا عندي استعداد أقتلك هنا وأقتل نفسي إنما تخرجي تتجوزيه مش هيحصل إلا على جثتي يا ياسمين أنا من حقي أمنعك.
وضعت كلتا يديها على رأسها ودموعها ما زالت تنساب على وجنتيها ليقترب هو منها حتى كاد أن يلمس كفها البارد فانتفضت بعيدة عنه لتتحول ملامح وجهها للحنق وتصرخ به مستغلة صوت السماعات العالية التي بدأت في العمل بالخارج:
- إوعى تقرب مني... أنت مش من حقك أي حاجة غير القهر بحق اللي عملته فيا زمان، ولا ناسي إن أنت اللي سبتني وسافرت وكمان بكل بجاحة ترجع تجوز ولا كأني كنت حشرة دستها برجلك وعشت حياتك.
ملامحه ازداد تشنجًا، و أصبحت مشاعره في هياج ولكنه لن يستطيع التفوه بأي كلمة دفاع عن نفسه.. عجز يصحبه ندم، يرافقه ألم،
لا مثيل له يستشعره كلما جال بعقله مشاهد تجمعها به !
مسحت دموعها بحدة لتقبض راحتها بقوة وترفع سبابتها في وجهه وهي تضغط على كل حرف وكأنها تمضي على أشواك :
- إوعى تنسى نفسك يا سليم أنا بعد دقايق هكون مرات أخوك !
**********************
انتهى من غناء آخر فقرة في أغنيته الرومانسية التي ظل يرددها للمرة الثالثة على التوالي، بناءً على طلب الجمهور الغفير الواقف أمامه، طرق بسبابته على مكبر المذياع الذي أمام شفتيه المعلق خلف أذنيه، قائلًا :
- طب ممكن تسمعوني..
صمت جميع الحضور بعد لحظات ليست بالقليلة، بعدما بدأ منظم الحفل في تدارك الأمر ليُكمل هو حديثه :
- بعد مطالبات كتير بإلقاء جزء من قصائدي اللي ما حدش يعرف عنها حاجة غير أصدقاء مقربين، منهم "جمال " اللي فضحني على صفحتي الشخصية، قررت أنهي الحفلة النهاردة بجزء صغير.
هلل الجميع و خاصة الفتيات العاشقات لهذا الفنان الشامل، الذي لم يترك مجال من مجالات الفن إلا وتميز به، انتظر قليلا قبل أن يصمت الجميع حين أغمض هو عينيه وبدأ يردد بطريقة إلقاء رائعة أضافت له جمالًا فوق جماله:
- يطيب لي الحديث حين أذكركِ
كنهر فاض من علياء ينساب
قطرات الندى في وجنتيكِ مشاربي
أرتشف منهم وأنهل بدون حساب
توقف عن الإلقاء حين بدأت الفتيات بالصراخ باسمه، ليتوقف جزء منهم حين صمت هو ونظر نحو المدرج الذي يجلسون عليه بعتب فقرروا الصمت على مضض حتى يُكمل هو
" روائعه " كما قالت له إحداهن،
اعتدل في وقفته وأجلى صوته وأكمل :
أترغبين جلاء الحزن عن صدري
فأمضى بنا صفحًا بغير عتاب
هذه الوجنات التاركات أناملي
في الجمر لن تمر دون عقاب
عيناكِ سكنى و دارى حيث يطيب لي
في السمر أن أغفو على الأعتاب
نسائم الدهر ترجوكِ أبوح لها
كيف بالله أتيتِ بحسنك الخلاب ..
أنهى آخر جملته وهو يلوح لهم بيده، لتكون هذه الإشارة عن انتهاء حفله المَهيب الذي تعدى حضوره النصف مليون شابًا و فتاة و أكثرهم بالطبع من الفتيات، ليركض رجاله الستة حوله من كل اتجاه يبعدوه عن اقتحام الفتيات للمسرح الكبير .
خطواته ثابتة و ثقيلة، لا ينظر سوى للأمام دون التفاتة واحدة، حتى خرج للشارع الرئيسي الذي عج على آخره بالصحفيين و الكاميرات و الجمهور الذي لا ينفك عن مطاردته في كل مكان،
و الحرس حوله يبذلون مجهود مضاعف للحفاظ عليه من أن يقترب منه أحدهم حتى صعد إلى سيارته الفارهة دون التفوه بحرف،
يتبعه صديقة المقرب و وكيل أعماله " يونس " بعدما أدلى بتصريح صغير قبل أن يصعد بجواره:
- إن شاء الله في فيلم هيتم الإعلان عنه قريب و الإعلان هايبقى فيه كل التفاصيل.
انطلقت السيارة الخاصة به هو و وكيل أعماله تتبعه سيارة الحرس نحو بيته الكبير الذي يقطن به في مكان لا يعلم عنه أحد، سوى المقربين منه بشكل خاص،
ينظر من النافذة نحو نهر النيل، ويستمتع بشكل خاص برؤية المارة من خلف زجاجة القاتم، ويتذكر سنواته القليلة الماضية و معاناته مع المرض اللعين الذي أدى لجراحة خطيرة في المخ لم يظهر إلى الآن أعراضها الجانبية سوى تأمله ورؤيته للحياة بشكل مختلف، جعلته يريد أن يحصل على كل ما يرغب به، ولما لا مادام الثمن معه وفير !
حياته خالية من الأهل و الأقارب بعدما توفى والديه الواحد يلي الأخر في سنة واحدة تبعتهم أخته الوحيدة التي كانت تصغره بعامين، لتوافيها المنية دون سبب وهي ترتدي فستانا جميلًا لتحضر به حفله الأول،
مازال يرى وجهها الخمري الجميل المبتسم وعينيها العسليتين المميزتين التي تشبهان عينا والدته الحبيبة،
أخرجه صديقة من شروده وهو يقول له بعدما أغلق الهاتف بيده :
- أنا خلاص قربت أنفجر في المنتجين دول.
لم يهتم كثيرًا لما يقول ليُكمل يونس :
- العرض الخاص أول الشهر والبرومو هاينزل الأسبوع الجاي.
لم يجد مجرد التفاتة منه ليضم يونس حاجبيه قائلًا :
- رياااان أنت معايا؟
لا يوجد حوله إلا قلة قليلة من الأصدقاء الأوفياء، وعلى رأسهم
" أنيسة " السيدة الستينية التي وجدها صدفة عندما كان في المستشفى و بئر أسراره التي يعتبرها هو إهداء من الله له، لتصبح في وقت قليل بديلا عن أمه التي تركته في أحوج وقت كان يريدها به،
هذه المرة لكزه يونس برفق :
- هييييي أنت روحت فين ؟! يا عمنا عبرني
ببطىء شديد أدار له وجهه الممتعض مجيبًا :
- أنا جعان ..
*************
جلس على المقعد خلفه بحزن بالغ وهو يضع كلتا يديه فوق رأسه مرددًا بوهن أصاب قلبه وجسده معًا :
- ماهي الكارثة أنك هتبقي مرات أخويا يا ياسمين!
رفعت زاوية فمها بابتسامة متهكمة وهي تقول له :
- على أساس أنها كانت هاتفرق أخوك من واحد تاني، ما أنت سافرت وسبتني ولا كنت فاكر أني هقعد أستناك لما تخلف كمان.
رفع رأسه نحوها يتأملها للمرة الأخيرة بدموع حبيسة، قبل أن يُحرم حتى من النظر إليه ثانية،
عاد الطرق على باب الغرفة ولكن هذه المرة من أختها الصغيرة التي ظلت تدفع الباب بكل قوتها حتى خطت ياسمين نحو الباب مهرولة وفتحت القفل بسرعة فائقة وخرجت مغلقة الباب خلفها على عجل حتى لا تراه أختها،
ضيقت حلا عينيها بتعجب وهي تلقي نظرة على الغرفة قائلة :
- أنتِ مالك بتقفلي الباب بسرعة كدا ليه !
هو في حد جوه؟! ومالك معيطه كدا !
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تجيبها :
- ما فيش حد يا حلا يلا بينا
أمسكت مرفقها بقوة قائلة :
- هتقوليلي في إييه ولا أفتح الباب؟
صرخت بها ياسمين وهي تضرب صدرها بعنف :
- ارحموني بقى حرام عليكم.
شعرت أختها بالخوف الشديد عليها فجذبتها لأحضانها مرددة :
- ششش اهدي طيب، تعالي معايا
استجابت لها ياسمين وهي تجفف دموعها بحدة حتى تلطخ وجهها بالألوان التي كانت تزينه منذ قليل، لتأخذها حلا نحو غرفة صغيرة في الفندق قد حجزها لهم زوج أختها المستقبلي ليرتدوا بها ملابسهم الخاصة بالزفاف،
أغلقت الباب خلفها بالقفل الخاص به، وجعلتها تجلس على الفراش لتجلس هي أمامها قائلة :
- إيه اللي حصلك ؟! ما أنا كنت معاكي من نص ساعة كنتي طايرة من الفرحة.
نظرت لها بعينان تائهتان ودموع لا تريد التوقف قائلة :
- عارفة مين أخو هشام اللي فلقونا بسيرته وأجلوا الفرح مرتين لحد ما ينزل إجازة.
هزت حلا رأسها وهي تنتظر الصاعقة التي قلبت حالة أختها رأسًا على عقب، لتردد بتساؤل :
- اللي مراته الشخص المبالغ فيه اللي تحت دي !
لتُكمل ياسمين وهي تنظر لكفيها اللذين أوجعاها من كثرة ما ضغطت عليهما :
- طلع سليم يا حلا
انتظرت شهقة من أختها ولكنها لم تجد أية ردة فعل، فنظرت نحوها فوجدتها تنظر إليها بعينان جاحظتان قائلة :
- سليم مين ؟!
كادت أن تصرخ بها ولكن حلا رددت بذهول وهي تهز رأسها :
- ما تقوليش سليم اللي كااان ..
لم تستطيع إكمال جملتها وهي تنتفض واقفة بصدمة :
- هو اللي كان معاكي في الأوضة
أومأت ياسمين برأسها ، لتعنفها أختها :
- وعاوز إيه زفت الطين دا بعد اللي هببه
وقفت ياسمين تجاهد قدميها وهي تمسح دموعها بكلتها كفيها قائلة :
- مش عاوزني أتجوز أخوه
رددت حلا بزعقة رجت الغرفة رجًا :
- هو ليه عين يتكلم دا أنا هروح أطل....
وضعت ياسمين كفها على فم أختها وهي ترجوها :
- أنا مش ناقصة فضايح يا حلا أرجوكِ.
ثم جلست خائرة القوى تبكي بصرخات مكتومة حاولت بقدر الإمكان أن تسيطر عليها،
جلست أختها بجوارها وقد بدأت هي الثانية بالبكاء، ولكنها تمالكت نفسها سريعًا كعادتها لتحتضنها قائلة :
- طب عيطي زي ما تحبي، وفرغي كل طاقة الغضب اللي جواكي، بس اعرفي أننا هانخرج من هنا راميين كل اللي حصل دا ورا ظهرنا، هانقضي ليلة جميلة وسعيدة زي ما خططنا، ما فيش حاجة هاتبوظ فرحتك، و إوعي تنسي اللي عمله فيكي يا ياسمين، افرحي وارقصي و أثبتيله أنك نسيتيه وخليه هو يعيش ولو جزء صغير من اللي عيشتيه،
ظلت تستمع لكلمات أختها التشجيعية التي كانت تحتاجها بشدة، ولكنها لن تداوي بالتأكيد جرح قلبها الذي لم يبرأ بعد،
كانت تتمنى أن تنتظر عدة سنوات أخرى حتى تنسى حتى اسمه، ولكنها قررت بدافع الانتقام منه عندما علمت بأمر زواجه أن توافق على أول عريس يتقدم إليها حتى ولو بطريقة تقليدية كانت ترفضها بشدة قبل أن ترى " هشام" الذي وافقت عليه عندما شعرت بتشابه روحه كثيرًا من حبيبها السابق،
الذي عللته وقتها بحبها له الذي لم تنساه خلال ثلاث سنوات، وهي الآن على يقين أنها لن تنساه في عمرها بأكمله،
ولكن هو نسيها وتزوج وعاشر امرأة غيرها، نقض عهده ووعده وقرر أن يتزوج و ينجب من غيرها، فلِمَ تزال هي على العهد، لقد انتهى ما بينهما على أية حال، ولن يؤثر معها هذه الزوج الجديد كان أخوه أم لم يكن،
" حسنًا فلنجعله يتجرع الألم أضعافا حين يراني في أحضان أخيه "
هكذا حدثت نفسها، لتنتفض واقفة قائلة لأختها :
- شوفيلي الكوافيرة فين تيجي تظبطلي الميكب، خلينا ننزل قبل ما المأذون يمشي، كفاية الوقت اللي ضيعته معاه وعليه، مش هاضيع لحظة كمان على واحد زيه.
دلفت لحمام الغرفة لتلقى حلا عليها نظرة حزينة فهي تعرف كم المعاناة التي تمر بها أختها منذ أن تركها هذا النذل وسافر، لتمر عليها السنوات الثلاثة ببطيء شديد وألم أشد ثم خبر زواجه الذي نزل عليها كالصاعقة، حتى قررت بعد الضغط الكبير عليها من جميع العائلة بقبول الزواج من هشام،
الشاب المهذب اللطيف الخجول ذو الدم الخفيف والروح المرحة الذي جاءهم عن طريق صديق والدها الذي يعمل معه في نفس المجال،
شاب بمواصفات ترغب بها أي فتاة، يعمل في مركز مرموق في وزارة الخارجية، لديهم بيت مناسب وسيارة جيدة ولديه من المال ما سيجعلها تعيش في رفاهية اعتادت عليها في بيت والدها،
خرجت حلا مندفعة تبحث عن مسؤولة التجميل بسرعة فائقة قبل أن تذهب الفتاة، لتصطدم في طريقها بهشام الذي أوقفها متسائلًا بقلق :
- فين ياسمين يا حلا ؟! المأذون هايمشي يا بنتي
ظهور القلق جليًا على وجهها جعله يتوتر قائلًا :
- في حاجه حصلت لياسمين ؟!
نفت الأمر سريعًا وهي تخبره :
- لا طبعا هايكون حصلها إيه، بس البنت اللي كانت بتعملها الميكب سابتها وخرجت تكلم حد وما رجعتش وهي لسه ما خلصتش، ما تقلقش أنا بشوفها أهوه وأول ما نخلص هننزل فورًا
رأته ينظر خلفها بغضب مرددًا :
- أنت فين أنت كمان، بقالي ساعة بدور عليك.
توقعت أن يكون هو خلفها، فترددت في الالتفات وقد بد جسدها بالتوتر الظاهر، لتقرر الانسحاب قائلة :
- أنا هاروح أدور عليها بسرعة قبل ما يا سمين تفقد أعصابها وأنت عارفها لما تتعصب.
ابتسم نحوها ليوقفها قبل أن تتحرك للأمام :
- طب مش تستني أعرفك على سليم أخويا
عضت شفتيها بعنف لتهز رأسها بتهكم قائلة :
- لا ازااي اتعرف عليه طبعًا، دا أخو الغالي
قالت جملتها وهي تنظر نحوه بابتسامة حانقة، ليتطلع هو نحوها بخزي شديد ليتحدث هشام وهو يشير نحوها :
- دي يا سيدي حلا أخت ياسمين الصغيرة وأخر العنقود و زي ما بيقولوا فعلًا سكر معقود.
رفع لها كفه قائلًا :
- اهلًا بيكِ يا حلا، اتشرفت بمعرفتك
رفعت له حلا كفها قائلة :
- بس أنا ما اتشرفت خالص الحقيقة.
نظر لها هشام بغضب وقبل أن يتسأل عما تفوهت به ، أكملت هي :
- اقصد أنا سعيدة جدًا أني شوفتك انهاردة، هشام ياما كلمنا عنك، و أجلنا الفرح أكتر من مرة عشان خاطرك، بس بصراحة أنت تستاهل الانتظار.
ضحك هشام على حديثها بينما فهم سليم ما ترمي هي إليه، وقبل أن يتحدث هشام ثانية انطلقت قائلة :
- عطلتوني أنا هجري قبل ما ياسمين تقتلني.
خرجت من البهو الكبير نحو القاعة وصوت هشام يصلها واضحًا وهو يحدث أخيه :
- تعالى نصور البطاقة بسرعة أحسن نسيت أصورهم والمأذون عاوز صورة البطاقة بتاعتك وبتاعت خالها الشاهد التاني.
لتتوقف هي جاحظة العينان حين سمعت صوت سليم يقول له :
- كنت عاوزك تعرف حاجه مهمة الأول، ماينفعش أخبيها عليك !
**********
يجلسان أمام الطاولة ينتظران الطعام بينما يشير يونس للنادل الذي أتاه على الفور قائلًا :
- أؤمر يا يونس بيه ؟
ابتسم له بود قائلًا :
يا سيدي أنا لا بيه ولا حاجة، بس أرجوك لو في ستاير للمكان ياريت تنزلها أنت شايف الأمم اللي بتصور من ورا الإزاز ..
رفع ريان رأسه للنادل وهو يناوله قائمة الطعام بابتسامته الجذابة قائلًا :
- خد المنيو دا وهاتلي كل اللي فيه.
ثم غمز للنادل الذي فغر فاه ليردف :
- ما عدا السمك، لأن في بيني وبينه عداء.
أومأ له النادل بانحناءة بسيطة ثم انصرف ويونس يتبعه بصوته المرتفع :
- زي ما قولتلك يا برنس هااا
تطلع له ريان بضيق :
- ما تهمد بقى يا ابني
رفع له يونس حاجبه بحنق مرددًا :
- مش شايف يا عم اللي عمالين يصوروا دول، ولا في دم !
أجابه يونس وهو يبتسم للجمع من خلف الزجاج ويلوح لهم :
- ما تسيبهم يصوروا هو أنا قاعد بحب في وحدة، دا أنت غريب قوي يا أخي.
أشاح له يونس بكفه مرددًا :
- وأنت يعني تطول تقعد مع واحدة
رفع له حاجبًا وهو يحذره :
- بلاش أنا
جاءهم النادل بالمقبلات وهو يعتذر ليونس :
- آسف جدًا يا يونس بيه، سألت المدير قالي ما ينفعش ننزل الستاير إلا ولو هنقفل المطعم، وكمان في فرح في قاعة الفندق ولازم نكون فاتحين عشان البوفيه، كل اللي قدرت أعمله إني أرفض دخول حد للمطعم قبل خروجكم،
انتهى من وضع الأطباق، ليأخذ ريان المنديل المغلف الذي يحوى بداخله أدوات تناول الطعام ليخرج منها الشوكة وهو ينظر ليونس نظرة تحذيريه قائلًا للنادل :
- تسلم إيدك يا باشا وأشكر لنا المدير كفاية أنه وافق يفضيلنا المطعم قبل ما ندخل.
أجابه النادل بكلمات مقتضبة وهو ينظر ليونس بحرج، ثم التفت عائدًا،
بدأ ريان كعادته يتناول مقبلات الطعام على مهل وبتلذذ بينما يونس يرمق جميع من خلف الزجاج بنظرات حارقة، ولا أحد يهتم سوى بتصوير النجم وهو يتنفس وكيف له أن يتنفس ويأكل مثلنا !
*****************
تسمرت حلا في مكانها للحظات أدركتها على الفور عائدة شبه راكضة لتُمسك يد هشام بعنف تجره خلفها قائلة :
- تعالى بسرعة
نفض كفه من قبضة يدها ينظر لها بدهشة مرددًا :
- في إيه يا حلا أنتِ اتهبلتي؟
ظهر الخجل جليًا على وجهها وهي تعتذر له :
- أنا آسفة جدًا والله يا هشام، بس أنا كنت عاوزة أقولك حاجة مهمة بعيد عن أخوك.
تطلع نحوها بتساؤل لتتلكأ قليلًا حتى تجد حجة سريعة لتهورها، بينما هشام مازال ينظر إليها منتظرًا حتى بدأ يفقد صبره فتعجلت بالقول :
- ياسمين
- مالها ؟!
قالها بقلق لتبرر هي قائلة وهي تشير للهاتف بيدها:
- مش لاقية الميكب آرتيست و اتأخرت عليها جدًا، و عمالة ترن عليا وقلقانة، بالله عليك دور أنت عليها وأنا هاطلع لها قبل ما تعمل حاجة متهورة،
ثم انطلقت راكضة نحو الممر لتجد سليم ما زال على وقفته ليقول لها
باستهزاء :
- كدا بقى أنتِ هاتمنعيني أقوله ؟!
أمسكت به من طرف سترته وهي تنظر حولها لتتأكد من عدم وجود هشام، لتجر سليم خلفها نحو المصعد ثم ضغطت زر فتح باب المصعد ودفعته بالداخل، لتقترب منه بعينين حمراوتين وبتهديد صريح قالت له وهي تضغط على كل حرف :
- اقسم بالله يا سليم لو ما سبت أختي في حالها، لاهعيش باقي حياتي ما بعملش حاجة غير أني أدمر حياتك بس، لحد ما تيأس وتقرر تنتحر وتريحنا منك.
أرخى كتفيه بحزن وهو يقول لها :
- و مين قالك أن حياتي مش متدمرة، البنت الوحيدة اللي حبيتها في حياتي هاتتجوز أخويا انهاردة
لكزته بقبضتها على صدره بكل ما أوتَت من قوة وهي تصرخ به :
- و مين قالك تسيبها وتسافر، ومين غصبك تتجوز واحدة غيرها.
توقف المصعد عند الدور الذي اختارته حلا،
لترمقه بنظرة تحمل من الكره والبُغض ما يكفي لتراجعه عن تدمير حياة أخيه الوحيد في اليوم الذي طالما تمناه،
انفتح باب المصعد لتعود حلا للخلف وهي ترفع سبابتها أمامه قائلة :
- مش هاحذرك تاني، ابعد عن ياسمين بدل ما أخليها فضيحة النهاردة، و أعتقد أنت و أخوك اللي هاتضرروا أضعاف ما أختي هاتضرر.
انغلق باب المصعد لينزل للأسفل ثانية، ليضرب سليم رأسه في جدار المصعد الخلفي وهو يردد :
- أنا إيه اللي عملته في نفسي دا !
توقف المصعد لينفتح الباب ويجد هشام أمامه وبجواره امرأة تحمل بيدها حقيبة سوداء تخص معدات لا يعرف ماهيتها، لينظر له هشام بتعجب قائلًا :
- أنت روحت فين يا ابني ؟!
خرج من المصعد لتدخل السيدة الأربعينية التي تردي ثوب أنيق وتضع عويناتها، ليخبرها هشام :
- غرفة ٢٠٤ يا مدام الدور الخامس.
أومأت له برأسها وضغطت على الزر لينغلق المصعد، فخطى سليم أمام أخيه الذي تبعه قائلًا :
- أنت يا عم أنت استنى.
وقف سليم وهو يحاول تجنب النظر نحوه، ليسأله هشام وشعوره أن هناك خطب ما في أخيه يزداد داخله أضعاف :
- كنت عاوز تقولي إيه؟!
هز رأسه نفيًا وهو يتجاوزه ليخرج للقاعة قائلًا :
- خلاص ما عدش ينفع
أمسك مرفقه ليوقفه قائلًا :
- مالك يا سليم في إيه ؟!
لم يتحمل هذا الضغط من أخيه، وقد بلغ منه الغضب مبلغه وهو لا يتحمل رؤية وجهه وتخيله معها توقف عند هذه النقطة لينفض يده بعنف صارخًا به :
- يا عم ما فيش حاجة قولتلك، سيبني بقى دلوقتي ..
ثم ترك ساقيه تحملانه عنوة لأقرب مكان خالي من البشر، حتى يستعيد القليل من قوته ليُكمل بها الليلة، ولولا قسم والدته عليه لو لم يقف مع أخيه يوم عرسه ستقاطعه للأبد، لكان الآن في مكان لا يعرفه أحد بعيد عن كل هذه الضغوط .
ردد وقد فلتت دمعة من عينه :
- ليه بس كدا يا أمي ..
***************
رن هاتفها باسم أمها فأشارت لأختها قائلة :
- ماما يا ياسمين ودي عاشر مرة تتصل، أقولها إيه ؟!
أجابتها وهي تنظر لوجهها في المرآة الذي عادت له نضارته ثانية بعد أن اقتربت السيدة على الانتهاء :
- قوليلها خمس دقايق بس و نازلين
رفعت حلا الهاتف على أذنها لتسمع صرخة أمها العالية :
- قسمًا بالله لو طلعتلكم أنتوا الاتنين ما هاتعدي الليلة دي على خير ..
ابتعدت حلا وهي تبتسم لمسؤولة التجميل التي قضبت حاجبيها عندما سمعت صراخ والدتهم، لتتنحنح حلا قبل أن تجيبها :
- اهدي يا ماما يا حبيبتي خمس دقايق ونازلين.
ابتعدت " سعاد " عن الضيوف قدر ما استطعت لتسألها بحزم :
- أنا عاوزة أفهم حالًا إيه اللي بيحصل عندك؟!
قررت حلا الخروج من الغرفة و إحضار المصعد سريعًا وهي تقول لها :
أنا نازلة حالًا أفهمك اللي حصل على ما الميكب آرتست تخلص لياسمين.
أغلقت الهاتف ودخلت للمصعد لتهبط بالأسفل نحو القاعة الكبيرة، جالت بعينيها تبحث عن والدتها فلم تجدها فاضطرت لدخول القاعة و إلقاء التحية على الأقارب والأصدقاء، حتى وجدت والدها يقف مع أحد أعمامها، انطلقت نحوه لتسأله عن والدتها ليخبرها هو :
- في حد من العمال كان بيدور على هشام أو والدته بس ما لقاهمش فمامتك كتر خيرها عرضت المساعدة.
رددت بضيق ظاهر :
- أيوة يعني هي فين دلوقتي ؟!
- أجابها وهو يلوح لأحد أصدقائه :
- عند البوفيه باين.
ركضت حلا تجر فستانها نحو مطعم الفندق، لتجد الهاتف يهتز بيدها، تأففت بضيق عندما وجدتها أختها، تلقت المكالمة :
- ها خلصتي
ـ أجابتها بتوتر :
- أيوة أنتِ فين؟!
- بدور على ماما، ثواني و هبعتلك بابا ينزلك على ما أشوف ماما و هشام
أغلقت الخط وعادت سريعًا لأبيها حتى تخبره أن يصعد لغرفة أختها ويأتي بها، استجاب والدها و ذهب نحو المصعد لتعود هي للبحث عن أمها ركضًا، حتى اصطدمت به يخرج من باب خلفي للمطعم،
وقفت تعتذر له حتى عرفته على الفور،
- تسمرت قدمها وهي تهتف به :
- رياااان
ابتسم لها برقة وهو يهز رأسه بنعم، ليقف يونس أمامها وهو يُمسك بمرفق صديقه قائلًا وهو يدفعها من أمامهم برفق :
- بعد إذنك يا آنسة عشان إحنا مستعجلين.
أوقفته بزعقة :
- أنت مين أنت أصلًا عشان تقولي كدا ولا تمد إيدك عليا دا أنا مش هخلي ليك كرامة حتى عشان تتبعتر.
كتم ريان ضحكته بصعوبة بينما رمقه يونس بنظرة حارقة لينقذ ريان الموقف سريعًا :
- دا مدير أعمالي يا آنسة، اهدي شوية.
أجابته بحنق ظاهر وهي تنظر ليونس نظرة احتقار:
- و إيه يعني مدير أعمالك، دا يديله الحق يعامل الناس بالأسلوب دا، وبعدين أنت بتزقني كدا ليه هو أنا هاكله، أنت اتجننت !
لم يستطيع ريان كتم ضحكته على هذه الفتاة العفوية ذو اللسان السليط والوجه الجميل، في مقابل صديقه " الجلف " كما يطلق عليه، ولكن ما جعله يقف مستمتعًا أن القطة أكلت لسانه وهو يقف مذهولًا فاغرًا فاه أمام هذه الصغيرة لا يجد كلامًا يحدثها به،
نظرت له حلا نظرة أخافته بالفعل جعلته يبتلع ضحكته العالية بينما ما زال يونس يتكلم بتهتهة وبصوت منخفض من المفاجأة :
- أنتِ أنتِ أنتِ ازاي بتكلميني كدا.
وقبل أن تواصل سيل الغضب من فمها أوقفها ريان قائلًا :
- أنا بعتذر بالنيابة عنه يا آنسة هو ما يقصدش طبعًا اللي حصل، ولو تسمحيلنا ..
أوقفته سريعًا بوجه انقلب كليًا للنقيض وبصوت رقيق وهادئ حدثته
- طب معلش لو فيها رخامة ممكن أطلب منك طلب ؟
وضع كفه سريعًا على فم يونس وهو يقول لها :
- دا أنتِ تؤمري.
ابتسمت له برقة جعلت يونس جاحظ العينان وقبل أن تتكلم دفع كفه من على فمه قائلًا :
- أنا ماشي أنا خليك أنت واقف
أمسك ريان بقميصه من الخلف سريعًا وهو يقول له :
- بلاش لعب عيال يا يونس أصبر بقى..
أسرعت حلا الخطى حتى وقفت أمامه ثانية وهي تقول :
- بص أختي فرحها دلوقتي حالًا، وهي بتموووت فيك وفي كل أغانيك وأفلامك ومسلسلاتك وما فيش حفلة فوتتها ليك ولولا أن القاعة كانت محجوزة النهاردة كانت أجلت فرحها وحضرت حفلتك.
ثم ظهر الحزن جليًا على وجهها وهي تُكمل:
ـ وحصل من شوية موقف مخلي نفسيتها تحت الصفر لو مش هتعبك ممكن بس تغنيلها أغنية واحدة
- وبرجاء أكبر أكملت:
- واحدة بس والله، هاتفرح قووي أنت مش عارف بجد قد إيه هي بتحبك
شعر بالحرج الشديد منها ليصمت لثواني، جعلت صديقه يحدق به منتظرًا، ليعتذر لها ريان بتهذيب :
- أنا آسف جدًا والله، أنا لسه خارج من حفلة بقالي فيها ثلاث ساعات وصعب أوي أغني تاني النهاردة.
أرخت كتفيها بحزن بالغ، وهزت رأسها بتبرم، لتخطو ببطيء نحو القاعة ولكن خطواتها تسارعت عندما سمعت أصوات الزغاريد تعلو،
بينما ينظر ريان لظهرها بأسف ليردد يونس بغيظ :
- مش يلا بينا يا حنين ..
وقبل أن يلتفت خارجًا لمح العروس على الشاشة الكبيرة تتأبط والدها، وتعلو وجهها ابتسامتها التي يحفظها عن ظهر قلب،
تسمرت قدماه و ازدادت سرعة تدفق دمائه نحو عقله، ليفرك عينيه وهو لا يصدق ما يراه،
شعر صديقه بشيء ما يجهله عندما بدأ جسد ريان في الاهتزاز فتسائل بقلق :
- في إيه مالك ؟!
لم يجِبه بل تقدم نحو القاعة بخطوات بطيئة وخائفة تاركًا يونس يحدثه وهو يخطو خلفه :
- أنت يا عم رايح فين ؟!
دلف داخل القاعة وعيناه لا تفارقان وجهها على الشاشة حتى انتقلت كاميرات المصور للعريس،
التقط أنفاسه بصعوبة بالغة وهو يشير نحوها لصديقه :
- قولي يا يونس أنها مش هي!
******************

ليست هناك تعليقات: