" أما هو فما زال يتمنى "
بعدما مرت ثلاث ساعات وأن أضع رأسي على وسادتي دون حراك وقد توقف عقلي عن التفكير ، شعرت أنني أعيش في ثقب أسود لا نهاية له وكأنني قفزت من حافة الهاوية وما زلت أفرد ذراعي في الهواء ،
أنتفض جسدي تلقائياً حين سقطُ على أرضٍ صلبة وبارده ، أنا مصطفي إسماعيل عابد الذي يرجف كل جبان من سماع اسمه ، أنا من أوقفت كل ذكر حقير في منطقتي عن التعرض لأي فتاة حتى بالقول ، تركت كلب حقير يلمس جسد فتاتي تحت تهديد السلاح !!
الأمر تخطى مرحلة الإحساس الشديد بالذنب ، لن أستطيع أن أعيش حياتي بعد الأن دون أن أقتله !
جلست وداخلي يغلي مثل قدراً موضوع على ناراً حامية ، كعادة ملاكي الحارث ظل يتصل بي بإلحاح مبالغ فيه حتى أجبته ،
- أيوه يا عمر ؟!
صوته السعيد والمبهج وهو يهنئني بخطبتي جعلني أفرغ بعضاً من غضبي في وجهه ،
سألني بقلق عما أعانيه ، ففضلت الصراخ بكلمات لم يفهمها قط حتى وصل لسؤاله المعتاد عما إذا عدت لتناول المخدرات فأجبته بنعم وأنا أعيد عليه بغلاظة أن يتركني وشأني ،
أغلقت الاتصال بوجهه و ألتقط مفاتيحي وانطلقت نحو سيارتي أجوب شوارع المدينة بقيادة سريعة وغير متزنة ،
لم ييأس عمر من محاولات الاتصال بي مرة أخرى مما جعلني أغلق الهاتف نهائيا وقذفت به على " التابلو "،
تأففت حين وجدت أمامي سيارة شرطة تقف في منتصف الطريق العام " للتفتيش " ولسوء حظي أن القانون الجديد ينص على إجراء تحليل للمخدرات للسائقين في هذا الوقت المتأخر ،
شعرت بالتوتر ولكني تلكأت في القيادة مما جعل سيارة نقل تتخطاني ، وما حدث بعدها أمام عيني جعلني أنطلق بأقصى سرعة وأقف بسيارتي أمامه وأترجل منها قبل أن يصطدم بي على بُعد عدة أمتار من لجنة التفتيش ،
كدت أن أتلقى حتفي ولكن سائق الناقلة توقف بعدما أصطدم بسيارتي تصادم طفيف ،
ركض جميع العساكر وضباط الحملة بسيارات الشرطة ليقبضوا على السائق الذي لولاي كانوا سيكونون في عداد الأموات الأن بعدما قرر هذا المخمور أن يدهسهم جميعا حتى لا يسجن بسبب تعاطيه المخدرات أثناء القيادة ،
قبضوا عليه وأتاني الضابطين المسؤولين عن حملة التفتيش ليطمئنوا علي ، ولحسن حظي مرة أخرى أن أحدهم صديق لي فهو يتردد على صالة الألعاب خاصتي منذ وقت طويل ،
نظر لي بدهشة وهو يردد ،
- مصطفى عابد !!
ثم أمسك بيدي يجلسني على أحدى المقاعد وهو يتفحصني بقلق ،
- أنت كويس ؟! حصلك حاجه
حاولت الوقوف لأطمئنه ولكني ما زلت تحت تأثير المخدر فترنحت قليلاً فظن أنني تأثرت بالحادثة ، طلب من زميله أن يتصل بسيارة اسعاف على الفور ، أوقفته سريعاً حتى لا يكشف أمري ،
- انا كويس والله يا ظافر بيه ، ما فيش داعي للإسعاف
نظر لي بشك متسائلا ،
- متأكد ؟!
إيماءة من رأسي كانت جواب كافياً ،
جلس على مقعد بجواري وتناولنا أطراف الحديث حتى طلعت الشمس ، تركته على وعد بلقاء أخر بعدما أعاد كلمات شكره وامتنانه على ما فعلته ،
دلفت لسيارتي فأوقفني ليؤكد علي أن أقابله في الغد حتى يصلح ما حدث في السيارة من أضرار على حسابه الخاص ،
وعدته بالعودة إليه وانطلقت نحو الجامعة بعدما أخذت قراراً لا رجعة فيه أن أبحث عن هذا الوغد الحقير وأجعله يدفع ثمن ما فعله في الماضي ،
هاتفت مروه وللعجب أجابت سريعاً بصوت مرتعب وهي تبكي وتحاول أن تطمئن علي ،
تعجبت من طريقتها وهي تتحدث بهلع وخوف ، فحاولت أن أستفسر عن الأمر فأخبرتني أن عمر زارني ولحسن حظه أن والدي كانا نائمين فحاولت أن تستدرجه حتى أخبرها أنني حدثته بغضب أقلقه ،
طمأنتها بقدر ما استطعت وأخبرتها سبب أتصالي وهو أن تحاول أن تتذكر أسم هذا الحقير قبل أن أصل للجامعة ،
أرتعش صوتها برعب فصرخت بها حتى قالت لي ،
- مش فاكره يا مصطفى
أزداد غضبي وأنا أُخبرها ،
- أفتكري يا مروه بأي طريقة إن شالله تتصلي بيها تسأليها أكيد مش هتنسى أسمه ،
حاولت إثنائي ببكائها عما أنوي وهي تعلمه جيداً ،
- أرجوك يا مصطفى أنسي الموضوع دا وأرجع ،
أغلقت الهاتف وأنا أتأفف فالأمر أصبح كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش ،
ارتديت نظارتي الشمسية ودخلت لمكتب شئون الطلبة بابتسامة محببة واخترت أكثر موظفة ما زالت تتمتع بالشباب وانطلقت نحوها ،
ذابت عينها إعجاباً بي مثلها كمثل باقي الفتيات التي يفتنهن المظهر كما توقعت ،
خلعت نظارتي فلمعت عينيها وأطلقت ابتسامة مثيرة على شفتيها وهي تقول بصوت هادئ وتشير للمقعد أمامها ،
- أتفضل يا أفندم أنا تحت أمرك
تنحنحت وأنا أبحث عن سؤال مناسب يستطيع مساعدتي فخطر على عقلي ،
- كنت عاوزه أسأل عن حد في دفعة السنة اللي فاتت في كلية تجارة إنجليزي ،
قامت على الفور بسرعة البرق وأتت بملف من مكتبتها الخلفية ، أعترض أحد الموظفين الموجودين قائلا ،
- بتعملي إيه يا أنسه ما ينفعش تدي لأي حد معلومات عن الطلبة كدا مخالف للقانون ،
ألتفت برأسي أنظر إليه بحنق وأنا أصك أسناني فعاد خطوة للخلف بخوف ولكنه أصر على موقفه بتحدي واضح ،
أمسكت هاتفي وفعلت ما كان سيفعله أي مواطن في هذا البلد بعدما أنطلق نحو الفتاة التي وقفت تزفر بضيق وأمسك الملف من يدها وعاد لمكتبه ،
لحظات وأجابني المقدم ظافر نجم الدين ، حدثني الرجل بكل لطف ، فأخبرته أنني في الجامعة وأريد معرفة معلومات عن أحد الأشخاص ولكن هناك موظفاً يرفض مساعدتي ،
طلب مني أن أنتظر بضع دقائق وبالفعل كان أحد ضباط الحرس في الغرفة مما جعل الرجل ينتفض مقدما لي الملف بأكمله لأطالعه ،
استغليت وجود ضابط الحرس وأخذت الملف وخرجنا نجلس في مكتبه بعدما أكد الرجل للموظفة أن الملف بحوزته وعندما ننتهى منه سيرسله إليها مع أحد العساكر ،
لوحت لي الفتاة وأنا أخرج من الغرفة فشكرتها وانطلقت نحو مكتب رئيس الحرس ،
جلسنا سويا وطلب لي فنجان من القهوة وسألني بعدها وهو يطالع الأسماء ،
- عاوز مين بقى في الدفعة دي يا باشا ؟!
تنهدت بتوتر وبحثت عن قصة مناسبة ولكني لم أجد فقررت مصارحته ،
- بصراحة يا باشا أنا ما أعرفش أسمه
نظر لي بتعجب فأوضحت الأمر ،
- أنا اللي أعرفه أنه كان من الدفعة دي وأكيد لو حضرتك كنت هنا من سنتين هتعرفه ..
ترك الملف من يده وأعتدل في مجلسه وهو ينظر نحوي بتأمل قائلا ،
- أنا لولا ظافر باشا قالي أنك زيه أخوه كنت شكيت في أمرك ،
ثم أبتسم بمكر شرطي محنك وهو يحك ذقنه ،
- هاتلي م الأخر وقولي عمل فيك إيه ؟!
جاء الساعي بالقهوة فانتظرت حتى خرج من الغرفة واقتربت نحوه وأنا أوضح الأمر قائلا ،
- كان هيعمل
- مش فاهم !
قالها وهو يتناول فنجانه ،
اعتدلت في مجلسي وأمسكت فنجاني بين أصبعي أستنشق رائحتها بمتعة وأنا أخبره بما حدث من سنتين ،
ضيق عينه وتأكدت وقتها أنه عرف هويته ، مؤكد حادثة مثل هذه لن تمر مرور الكرام على حرس الجامعة ، وخصوصاً بعدما أكدت لي مروه أن الشاب الذي أنقذها بلغ بعدها الحرس وتم القبض عليه بحيازة سلاح داخل الحرم الجامعي ولم يذكر أحد قصة الاعتداء عليها حتى لا تصبح حديث الجامعة وتسوء سمعتها ،
وضع فنجانه من يده وتنحنح قائلا بحذر ،
- بص يا مصطفى باشا أعتقد أن أحنا أخدنا حقك وحقها أنت ما تعرفش أحنا عملنا فيه إيه
شعرت بالضيق من هذا الخوف الذي يحيط الجميع وهم يحاولون حماية كلب بائس يستحق القتل ،
أكمل بسرد قصة عن ضربه ضرباً مشبعاً حتى تكسرت عظامه ، وأشرف هو شخصياً على فصله من الجامعة وضياع مستقبله ،
لم أشعر بالارتياح فأنا أريد القصاص وبيدي ، لم أهدأ حتى أنفذ ما يجول بخاطري ، جاريته وأمنت على كلامه ودعوته لصالتي الرياضية مع وعد لبعض الجلسات المجانية حتى أرد معروفه ،
ذهبت بعدما اكتسبت صديقاً أخر في هذه الليلة المثمرة ، وأنا عازما على معرفته ومجازته عما فعله ولو كان هذا أخر عمل أقوم به في حياتي ،
عدت للمنزل بعدما وصل بي التعب والإرهاق لدرجة جعلتني لم أعد أرى أمامي ،
لم أستطع الصعود لشقة والدي بسبب مروه التي لن تكف عن البكاء وهي تتوسل إلي أن أعرض عن هذا الأمر ،
دلفت داخل شقتي وأنا أستنشق عبير ألما على فراشي فأنا لم أقربه منذ ان كنا سوياً ، ابتلعت ريقي وجسدي يستجيب لهذه القشعريرة المحببة عندما تذكرت ما حدث بيننا بكل تفاصيله ،
ارتميت على الفراش ووضعت رأسي مكان رأسها واستغرقت في النوم وأنا أردد أسمها ،
لم أشعر كم مر علي من الوقت ولكني استيقظت من نومي العميق على طرقاً خفيف على باب شقتي ،
استدرت في فراشي على جانب أخر وقررت العودة للنوم ، عدة طرقات أخرى تجاهلتها حتى أتاني صوتها المرتعش الباكي تُردد ،
- أفتح يا مصطفى أرجوك !

ليست هناك تعليقات: