الدرجة السادسة..
العشق : ويعني فرط الحب، وكثرته، وعُجْب المحب، وهو حب مختلط بالشهوة ..
عندما تسمو عاطفتها تنسى كل شيء ...
- " أرجوكِ أبوس ايدك يا ألما الحقي مصطفى !! "
بعدما قالتها مروه وهي تبكي بوجع جعل قلبي يعتصره الألم لدرجة أنني لم أستطع إجابتها ، جُل ما فعلته أنني أغلقت الهاتف وركضت نحو خزنة ملابسي ،
ارتديت أول شيء وقعت عليه عيني ثم عدوت خارج المنزل دون أن أخبر أحد وجهتي كل ما أفكر به حالياُ ماذا يحدث معه ؟!
أوقفت سيارة أجره وأخبرت السائق وجهتي بكلمات مقتضبة وأنا في ملكوت آخر ،
عقلي قد دمج كل السيناريوهات الأسوء في الوجود وقذفهم نحو جسدي دفعة واحدة !
شعرت بقدمي ترتعش وقلبي يعدوا في سباق للركض الحر بسرعة خمسمائة ميل في الدقيقة ، بينما تقلصت معدتي وألتفت أمعائي حول بعضها البعض بوجع لم أختبره من قبل ! أما عن شعوري بالغثيان من أثر الخوف المرضي عليه فحدث ولا حرج !
دقائق لم أعرف كيف مرت علي ولكني لن أنسها مهما حييت ، وصلت لبيت خالتي وصعدت الدرج وأنا أتجاهل رؤية شقته وكأنها شيء ملعون ،
طرقت الباب ففتحت لي خالتي بابتسامتها المعتادة واستقبلتني بحفاوة أكبر مما جعلني أتعجب ،
وقفت أمامها لا أدري ما أقوله ، أصابها الذهول لعدة ثواني من تجمدي ، ولكني لم أستطع تحمل قلقي أكثر من ذلك ،
وقبل أن أتساءل عنه خرجت مروه تحدجني بعينيها فابتلعت غصتي وتركتها ترحب بي وتُمثل دورها بحرفية وكأنها لم تنتحب على الهاتف منذ دقائق ،
أخذتني من يدي نحو غرفتها ولكني أوقفتها قبل أن تُغلق باب الغرفة وناديت خالتي اُخبرها ،
- من فضلك يا خالتو قولي لماما أني هنا مع مروه لأني ما قولتلهاش
عاتبتني خالتي ودافعت مروه عني ثم أغلقت باب الغرفة وانفجرت في البكاء مرة أخرى مما جعلني اُصاب بالجنون الكلي ،
حاولت أن أخفض صوتي بقدر ما أستطيع ،
- مروه ما تجننيش قوليلي مصطفى ماله أنا كنت هموت طول الطريق
جففت دموعها سريعاً وبدأت تتكلم بسرعة غريبة وأضافت في حديثها كلمات اعتذارات كثيرة وسط شهقتها ،
لم ألتقط من هذه الاقوال سوى جملة واحدة " مصطفى بيتعاطي مخدرات ! "
احساسي وقتها أشبه بشعور امرأة تعيش في مجاهل أفريقيا ثم انتقلت حديثاُ للقطب الجنوبي وعايشت أول تساقط للجليد على رأسها !!
توقف عقلي عن التفكير وكل ما خرج من فمي وأنا أمسك بكتفيها أهزها وأردد ،
- لييييه عمل كدا !!
أجابتني وهي تخفض رأسها ،
- ما أعرفش بدأها ليه لكن أعرف رجع ليها ليه !!
مفاجأة كثيرة لم يستوعبها عقلي بعد ، ارتميت أجلس على الفراش من خلفي ألتقط بضعاً من أنفاسي للحظات ثم أمسكت بيد مروه وبإصرار شديد قررت أن أعرف كل ما تعلمه ،
- فهميني كل حاجه بسرعه ، ثم رفعت سبابتي بتأكيد
- ومن الأول يا مروه
جلست أمامي وبصوت متردد أخبرتني ،
- امبارح بالليل بعد مده لما رجعنا من عندكم لقيت حد بيخبط على الباب ، أستنيت مصطفى يفتح ما فتحش ، روحتله أوضته ما لقتوش استغربت انه خرج من غير ما أحس وجريت أفتح الباب لقيته عمر صاحبه ،
أوقفتها لأخبرها أنني تلقيت أتصالا منه الليلة الماضية وترك لي رسالة لأتصل به ولكني نسيتُها عندما تحدثت معها ،
تيقنت أنه كان يريد إخباري بما قالته مروه للتو، طلبت منها أن تُكمل ما حدث استكملت حديثها ،
- كان وشه أصفر وشكله متوتر جداً وهو يسألني عن مصطفى رجع ولا لاء ، قلقت من تصرفاته الغريبة وقولتله أنه مش موجود ،
حسيت انه عاوز يقولي حاجه بس متردد ، اترجيته يطمني على مصطفى فصدمني صدمة عمري ،
توقفت مروه عن الحديث بدموع لا تتوقف وقد عاد حزنها بضروه ولكن هذه المرة كانت دموع ندم على شيء ما !!
- كملي يا مروه أرجوكِ
هكذا شجعتها لتستمر ،
ظلت تردد أنا السبب لوقت ليس بقليل حتى نهرتها فأكملت بشهقات متتاليه ،
- عمر قالي أنه بدأ يتعاطى مخدرات من شهر تقريباً حاول معاه كتير وعرضه على دكتور نفسي والدكتور دا نصح عمر يوديه لدكتور صديقه صاحب مصحة لعلاج الإدمان وطمنه إن الموضوع بسيط خصوصا انه مش بقاله مده كبيره ، لحد اول امبارح يوم ما كنا عندكم ..
توقفت مروه تجفف دموعها سريعاً حين دخلت خالتي الغرفة تخبرني أن أمي لا تريد مني التأخير ، ثم أرتسم على وجهها القلق حين رأت هيئتنا الحزينة ،
حاولنا طمأنتها ببعض الكلمات وطلبت منها مروه أن تحضر لنا شيئا من الطعام وبعض المشروبات الساخنة ،
خرجت خالتي وتركتنا فأكملت مروه عاجلاً قبل عودتها ،
- يوم الخطوبة جاله عمر ووداه المصحة وفضل هناك من الصبح بدري لحد بعد العصر وعمر أكد لي أنه كان متجاوب جداً وعاوز يتعالج والدكتور قاله انه مش محتاج الا جلسه واحدة او اثنين لو هو عاوز وان الموضوع بسيط ،
لكن اللي حصل امبارح خلى عمر يجي يحكي لي ويحاول يتواصل معاكي انه كلمه في التليفون لقاه متنرفز جدا وبيزعقله ولما سأله أنت أخدت مخدرات تاني قاله أه ،
توقفت مروه وظلت تردد مرة أخرى " أنا السبب ، أنا السبب "
مازال هناك الأسوء ! هكذا كان شعوري ،
تعجلتها قبل عودة خالتي ولكنها لم تتجاوب معي وكأنها خائفة مني !!
توسلت لتكمل فترددت كثيراً وبعد وقت من الإلحاح صارحتني بما جعل المعبد يسقط فوق رأسي ،
لقد فقدت أخر أمل لي أن أعود أنا وهو لجزء بسيط مما عايشناه سوياً ، تحطمت ولم يعد في قلبي ذرة صغيرة حية !!
لقد أخبرتني ويا ليتني لم أترجاها ويا ليتها لم تستمع إلي ، لقد ثبت لي بالتجربة القاسية أن الجهل بأمور خفية بفعل القدر أفضل من العلم بها وأن أتذوق هذا الوجع الذي لا يُحتمل ،
يا ألهي أكاد اُجن وأنا أتخيل أن مصطفى رأى هذا القذر يلمس جسدي تحت تهديد السلاح وتركني وذهب ؟!
لقد كنت ضحية لأبنة خالتي وأخيها !!
فقدت أخر ذرة تعقل وأنا أصرخ بها ،
- مستقبلي كان هيضيع بسببك ، وأخوكي شافه بيحاول يغتصبني وسابني ومشي ومش بس كدا دا فضل سنين يعاملني معاملة الكلاب وفي الأخر بكل غباء سلمتله نفسي وأنا فاكره أنه بيحبني أتاريه فاكرني عاهره ،
انتشلت حقيبتي بغضبٍ يكاد يحرقُني وأنا أبكي مثل المجنونة التي فقدت عقلها ، حاولت مروه إيقافي ولكني أبعدت يدها عني وانطلقت خارج المنزل متجاهلة تساؤلات خالتي عما حدث ،
لم تستوعب شوارع المدينة حزني وضعفي واحساسي بالظلم الشديد ، لقد دفعت ثمن أخطاء فعلتها وحتى التي لم أفعلها دفعت ثمنها غالياً !
لم أعد أريد الصراخ ولا حتى البكاء ، فمرارة حلقي لا يضاهيها ألم ، لا يوجد أجابه في هذا العالم عن سبب ما يحدث لي ،
شعرت بالغضب يأكل جسدي بدون رحمة وللعجب شعوري بالانتقام أختفى من كثرة احساسي بوجع هذا الظلم الذي عايشته ، ولكني قررت أن أكشف جزء من الحقيقة التي أخفتها عنه أخته الغالية حتى تظل هي النقية الطاهرة وكل ما جرى لي بسببها !
عدت أدراجي نحو شقته وطرقتها بيد مرتعشة ، لقد ظننت أنني قوية لمواجهته ، ولكن خاب ظني الأن !!
ناديته وكسرة قلبي تخرج مع كل حرف من حروف أسمه التي كنت أعشقها يوماً ،
لحظات وفقدت الأمل أن يجيبني ولكني حين قررت الرجوع فتح لي بابه ، نظرت بداخل الشقة فتسارعت نبضات قلبي الخائن لذكراها!،
وقف أمامي منشده ثم أمسك بيدي وهو ينظر للأعلى باضطراب ليدخلني وهو يغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يسمعنا أحد ،
سحبتُ يدي التي مازال يحتضنها بانفعال وأنا أحاول أن أنظم أنفاسي اللاهثة ، حسناً الأن اُلاحظ نظراته المتحسرة !
لقد ضُرَّ بَصَرُه ولم يستطع إطالة النظر لعيني ، هو يعلم جيداً أنه تخلى عني وخذلني ولكنه لا يعلم أنني أعرف ما حدث ،
لذلك يجب علي أن أتخلى عن لطفِ الزائد ومراعاتي لمشاعر أحد وأقص عليه ما حدث تفصيلاً ،
شجعت نفسي بالقول...
" هيا بنا نجرح بعض الأشخاص الذين سببوا لنا المعاناة "
انتظرته لحظات ليسألني عن سبب مجيئي ولكني أعتقد الأن أنه مثلي لا يستطيع الحديث أو بالأحرى لا يجد شيئاً يُقال !
انتزعت نفساَ من أعماق قلبي المكسور وقلت له ،
- مروه قالتلي على كل حاجه
رفع وجهه بذهول وهو يواصل تأملي بحدقتين متسعتان من المفاجأة ، لقد جرحته أستطيع الشعور بذلك ، لم أبالي لجُرحه كما لم يكترث أحداً لي ،
أكملت دون مراوغة ،
- البني أدم القذر اللي سيبته يعيشني كابوس لحد الأن مش عارفه أفوق منه ، يبقى أبن عم جوز أختك العزيز ،
توقفت عن سرد باقي القصة عندما شعرت بحرارة جسده تعلو وكأني وقفت أمام نيران ستحرقني الأن !
أقترب مني وأمسك معصمي بقوة جعلت جسدي يرتجف ، انتفاخ عينيه من الغضب وارتعاشه جسده لا ينبأ بخير أبداً ،
لم يخرج من فمه سوى كلمة واحدة قالها وهو يصك أسنانه ،
- كملي
يا ألهي كيف أكمل هكذا ، نظرت لعينيه برجاء لإعفائي من سرد ما حدث ولكنه أعاد قولها وهو يصرخ في وجهي :
- كمللللي
تأوهت من ضغط كفه على معصمي ولكني لم أستطع غير أن اُكمل بصوت يرتجف خوفاً ،
- جوز أختك كان مرتبط بيها واحنا في الجامعه والحيوان ابن عمه كان بيتعرض لي في كل مكان وكل اما اشتكيله يقولي هخليه يبعد عنك حاضر ،
يوم والتاني الاقيه بيطاردني في كل مكان أروحه ، قولت لمروه أني أقولك رفضت واترجتني لأنك لو عرفت هتعمل مشكله كبيره وممكن ما توفقش على جوازها من حبيبها ،
ألمتني يدي ولم أستطع التحمل أكثر من ذلك فنظرت نحو كفه قائلة :
- سيب إيدي من فضلك
رعشه يده جعلت قلبي يأن بداخلي ، يا ألهي ماذا فعلت به ، كيف فكرت بإيلامه هكذا ؟!
لم يترك يدي بل خفف قبضته ثم قادني نحو الأريكة وأجلسني بجواره وببحة خرجت من فمه قتلتني قال لي ،
- كملي يا ألما أرجوكِ ، أنا محتاج أعرف كل حاجه
ترددت للحظات وتسلل الرعب داخل صدري وأنا أتساءل ، ماذا سيفعل عندما يعرف كل شيء ؟!
شجعني لأتم ما بدأته فحاولت تخفيف حدة حديثي :
- في يوم كانوا متخانقين وهي قالتلي انها مش هتيجي الجامعه اليوم دا ، دخلت المدرج من أول اليوم ومخرجة منه بسبب الزفت دا ، قبل المحاضره الأخيره لقيته جاي عليا وبيقولي أن مروه جت الجامعه تشوف وائل وانهم أتخنقوا سوا وهي أغمى عليها وأحنا مش عارفين نتصرف تعالي أرجوكِ ألحقيها ،
أنتفض جسده بجواري وأرتعد جسدي لهذه الذكرى اللعينة ولكني أغمضت عيني وأكملت ،
- روحت ملقتش حد ألتفت عشان أشتمه أتخبطت في إيده فوقعت منها أزازه فيها سائل أبيض ، لقيته بيبصلي بغيظ وبيقولي يا غبيه عملتي إيه أترعبت منه ولما قررت أجري مسكني من إيدي وقرب مني وريحته كانت غريبة وتخنق عرفت انه واخد قرف من اللي بياخدوه وانه مش في وعيه لقيته طلع مطوه من جيبه وقالي لو فتحتي بوقك هتموتي في ثواني ،
لم أستطع أنا اكمل أكثر من ذلك ، قمت من مجلسي وابتعدت وأنفاسي تكاد تخنقني من سرعتها ، رفعت كفي أرفف به على وجهي ليمنحني بعض الهواء قبل أن أهوى من الانهيار ،
وجدته خلفي وأنفاسه الحارة المتتالية تلفح رقبتي ، سمعت ازدراد ريقه وكأنه يجاهد ليتكلم وأخيراً أستطاع أن يسألني ،
- ما قولتليش ليه اللي حصل دا
ألتفت نحوه وأنا أزيل دموعي المنهمرة وأنظر لوجهه الشاحب شحوب الموتى ،
- مروه أترجتني ما أقولكش ، وأنا خفت عليك تقتله ومستقبلك يضيع بسببي يا مصطفى
تمنيت لو ارتميت في أحضانه ، ولكنه ألتفت نحو غرفته قائلاً :
- هلبس وأجي أوصلك

ليست هناك تعليقات: