الدرجة الخامسة ..
الكَلَف :
" ويعني شدة الولع بالمحبوب، وانشغال القلب به وتعبه ومشقته في التفكير "
" هي تصنع سعادتها "
لم أنم ليلتها وبت أتقلب على جمرات من نارٍ حامية تقد مضجعي ،لم ينفك عقلي من التفكير في كل ما مر بي وما سيأتي بعد ،
ألن أنتهي من هذا العذاب ؟ أما آن الآوان أن أمضي قدماً في حياتي وأمزق هذه الصفحة السوداء من تاريخي وأخُط بيدي سطوراً أخرى أكثر وضوحاً ونقاء ،
أنار عقلي باقتراح العمل الذي أطلقته في " خطبتي " فأصابتني نوبة ضحك على هذا الوصف الهزلي وانتهت بنوبة بكاء هستري ولم تتوقف إلا عند سماع صوت الأذان يصدح في الأرجاء ،
قمت أجر قدمي إلى دورة المياه واغتسلت اغتسال المُرتد وتوضأت وصليت فردي الذي أهملته منذ وقت طويل ،
سجدت أول سجدتي ووجدتني أشهق ببكاء مرير لم أستشعره من قبل ، اختلطت دموعي بملامح وجهي الملتصقة باستواء على أرضية الغرفة وأنا فاقدة للنطق أبكي فقط !!
بحثت عن كلمات تعبر عما بداخلي فلم أجد حرفاً ينقذني ، لم أستسيغ جُمل الندم أو كلمات للاستغفار أو حتي وصف يستطيع إخراج ما بداخلي ،
بحثت في عقلي عن دعاء يحفظ ماء وجهي فلم أجد أو بالأحرى لم أتذكر !
أخذت نفساً عميقاً ليملئ صدري ثم أُخرجتُ جزءٍ من أنفاس صدري التي ضاقت ذرعاً بي مع صوت مرتعش أنبثق من حُنجرتي بثلاثة حروف
- يااااااااااااارب
هذا النداء كان كفيلاً أن أرتمي بجوار سجادتي متكورة على نفسي أحاوطها بكلتي يدي ، أغمضت عيني فسقط الباقي من دموعي علي وجنتي مروراً بأنفي حتى وصلت أخر قطرة منها على سجادة الصلاة ،
نمت على وضعي هذا وأخر صوت دخل أذني هو صوت تغريد الطيور أمام نافذة غرفتي ،
يوم جديد وأمل جديد قد تحطم بالأمس ولكن يبقى رجائي وأمنيتي لأستيقظ صباحاً بيوم قد مُحيت به كل ذنوبي ما زال دوماً قائماً ،
قمت بنشاط مزيف تُثقلني همومي وقد قررت أن أتوقف تماما عن التفكير في القادم ، سأعيش يومي كما هو وسأرضى بقدري الذي أخترته أنا ، وسوف أبدأ من الأن بتقبل أخطائي والاعتراف بها وأنا على يقين أن هذه الخيارات هي بداية الطريق ..
بعد أن أنهيت فطوري جلست على فراشي أضع فوق قدمي حاسوبي الذي لم أفتحه منذ أن توقفت عن مراسلته ،
صوت الطبيب بدأ يتردد في عقلي وهو يقول جملته التي أعادها علي مراراً وتكراراً طوال جلسته ،
- الإلهاء أفضل وسيلة للهروب من مشاكلك لحد ما تلاقيلها حل ، ما تفكريش في مشكلة وانتي يائسة ومنفعلة وحزينة ، نسي نفسك بأي شيء مفيد وأرجعي بعد ما ذهنك يصفى ،
قررت أن أعمل بنصيحته وخاصة أن الأمر خرج من يدي فالألم وخيبة الأمل تحاوطني من كل مكان ولا سبيل للهروب ،
تصفحت كل موقع في الشبكة العنكبوتية يخص مجال دراستي
" التسويق وإدارة الأعمال "
وجدت مواقع لا حصر لها أمدتني بإفادة غاية في الأهمية ومنها موقع عثرتُ عليها صدفة يقدم منحة خاصة ومجانية مقدمة من أحد الشركات الكُبرى مقابل مقترح مكون من عشر صفحات يفيد التسويق التجاري لسلعة ما ،
تحمست للفكرة ووجدت منفذاً لتفريغ طاقتي السلبية التي أطفئت كل خلايا عقلي وقلبي على السواء !
دخلت أمي غرفتي تتأفف بضيق على مكوثي بها كل هذه المدة ، استشعرت خوفها أن أكون عدت لانعزالي ،
نظرت لها بابتسامة أخرجتها من عمق قلبي الذي أصبح حطماً ثم قلت لها،
- صباح الخير يا أحلى أم
أجابتني وهي تنظر لحاسوبي وتمصص شفتيها ،
- قولي مساء الخير يا ست ألما المغرب قرب يأذن
مددت يدي نحوها أشير أليها أن تقترب مني ، اقتربت على مضض تجلس بجواري فقبلتُ وجنتها بدلال وأنا أعرف أن هناك أمر أخر يضايقها فسألتها ،
- إيه اللي مضايق ست الكل ؟
نظرت نحوي تضيق عينيها قائلة ،
- هو مصطفى كلمك في التليفون ؟!
تجهم وجهي تلقائيا تمنيت لو عاتبتها ..
" لماذا تذكريني يا أمي فأنا أحاول أن أتخطي ألمي قليلاً "
وقفت بعنف لأني لم أمنحها أجابه كانت تنتظرها فبدأت تتمتم بغضب ،.
- أنا كنت عارفه أنه جلنف وقليل الذوق امبارح يمشي من غير سلام ولا كلام وامه تقوله اقعد مع عروستك ولا يعبرها قولت يمكن محرج وهيجي بكره يخرجك ولا يحسسك انك عروسة كانت خطوبتها امبارح انما لا حس ولا خبر كدا ،
حاولت أن أتكلم سريعا ولكنها لم تعطني فرصتي وأكملت وكأنها بلون انفجر للتو ،
- ليه إن شاء الله بايره ولا بايره ، لاء انا مش هسكت أنا أصلا ما بحبش الواد البراوي دا لكن ماردتش ازعل أختي مني ولقيتك انتي كمان راضيه ما رديتش أقف قصادك أنما يبدأها قلة ذوق وقلة أدب ويستهين بيكي تغور القرابة وأختي لو رضت بكدا يبقى تغور هي كمان ،
ثم انطلقت مثل البارود نحو هاتف المنزل الداخلي ترفع سماعته بحدة ففطنت على الفور أنها تهاتف خالتي ،
ركضت نحوها سريعا ووضعت أصبعي على زر قطع الاتصال وأنا أحاول اختلاق كذبة سريعة لأتدارك هذا الموقف العصيب ،
- أستني بس يا ماما ، مصطفى كلمني من الصبح واعتذر لي عن إمبارح لأنه كان رايح مع مروه تكشف على سيف انتي شوفتيه امبارح كان تعبان خالص ،
- انهارده عنده شغل ضروري ووعدني هيعوضني ،
ثم أمسكتُ كفيها أترجها ،
- أرجوكي يا أمي ما تعمليش مشكلة وتزعلي خالتو من غير سبب
أخرجت نفساً ساخنا من أنفها وهي تتفحصني لتتأكد من صدق روايتي الغير منطقية ولكنها مررتها طواعية ،
حين ضاقت حدقتي ببراءة طفل يتوسل أمه أن تطيعه في أمر ما ،
تركت سماعة الهاتف من يدها فاحتضنتها شاكرة وأنا أتذمر جوعاً ، ابتسمت نحوي برضا ففرحت أني استطعت أرضائها أخيراً ،
أمضيت معها بعض الوقت تناولنا خلاله الطعام وتحدثنا وتسامرنا فشعرت أن روحي الممزقة يعود بعضاً من شتاتها ويضم بعضه بعضاً فعاد إلي جزء من راحة وسكينة لم ألفه منذ وقت طويل ،
غلب أمي النعاس فتركتها وعدت لغرفتي مبتسمة ابتسامة طفيفة أشرقت على وجهي الضنيِ المُنهك تنير شطراً منه ،
جلست على فراشي مرة أخرى وقررت أن سهرتي الليلة ستكون على هذا البحث لأضمن الفوز بالمنحة المقدمة ، برغم أن شكوك تراودني فمؤكد هناك مئات المتقدمين ولكني تشبثت بقليل من الأمل أن أقدم شيء مختلف يؤهلني للفوز ،
سمعت صوت إشعارٍ من هاتفي يفيد أنه أقترب من انتهاء شحنه ، أمسكته لأرى كم متبقى من البطارية فوجدت ثلاث مكالمات لم يجاب عليها وحين فتحتها وجدته رقما غير مسجل !
تعجبت وترددت أن أعيد الاتصال ولكن هاتفي لم يمنحني الفرصة وقرر ان يلفظ أخر أنفاسه ،
وضعته ليعيد شحنه وعدت لحاسوبي بعدما نفضت رأسي من التفكير في هذا الرقم ،
واستغرقت بتركيز تام في كتابة بحثي مستعينة بكل موقع يخص الأمر حتى أنهيته مع سطوع أول شعاع للشمس ،
أرسلته للبريد المذكور في تعليمات المسابقة وأنا أتثائب بإرهاق شديد ، تأكدت من تسليمه وأغلقت حاسوبي وارتميت على فراشي ولم أشعر بعدها بشيء ،
أتاني صوت أمي من مكان سحيق توقظني لقد أنتصف النهار وأنا نائمة ،
قمت أتحسس هاتفي لأرى الساعة كم أصبحت فلم أجده ، لحظات حتى تذكرت أني تركته موصولا بشاحنه ،
نهضت بتكاسل فلم أنال ما أحتاجه من الراحة بعد ، أمسكت هاتفي أُعيد تشغيله فاختض جسدي من اهتزازه المبالغ فيه جراء استقبال رسائل نصيه ،
جلست على المقعد خلفي اتفحص هذه الرسائل فوجدتها تعدت العشرة بعدة أرقام ،
فتحت الأولى ،
- أنا عمر صديق مصطفي ودا رقمي وعاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم
نظرت للرقم فوجدته صاحب أتصال البارحة ،
أغلقتها وقمت بفتح التي تاليها فوجدتها ايضا منه ،
- أرجوكي يا أنسه ألما كلميني ضروري
الثالثة والرابعة والخامسة بنفس المعنى فأنقبض قلبي بوجع لا أعرف مصدره فبدأت ألتهم باقي الرسائل من بعد الخامسة كلها تخص مروه !!
- انتي فين يا ألما ؟؟
- يابنتي كلميني ضروري مش عارفه ارن على تليفون البيت
- الحقيني يا ألما بالله عليك ردي بسررعه
وصلت للأخيرة وقلبي يكاد يتوقف ويدي ترتعش رعباً ،
- مصطفى هيضيع يا ألما
وقفت أنفاسي وسط حلقى وأنا أعيد الاتصال بمروه ،
سمعت حشرجت صوتها بعد لحظات وهي تنتحب قائلة بكلمات حاولت تفسيرها ولم أستطع ،
- أرجوكي أبوس ايدك يا ألما الحقي مصطفى !!

ليست هناك تعليقات: