الدرجة التاسعة ...
الوصَب : " ويعني شدة الألم الذي يأتي بسبب الحب "
"التملك بالنسبة لها بداية !
أقف تائهة وسط شوارع المدينة الكبيرة وللعجب فهي خالية من البشر! أبحث بعيني عنه والذعر يتملكني ولا أفكر في أحد غيره ، أركض هنا وهناك بملامح حائرة وقلقة بالرغم من شعوري باليقين أنني سأجده أو بالأحرى هو سيجدني ويأتي إلي !
هكذا حدثت نفسي لأطمئن قليلاً، ثم توقفت حين أتاني صوته ضعيف ومكسور يردد :
- أنا آسف ، أرجوكِ سامحيني !
نظرت حولي بلهفة وأنا أتشوق لرؤيته ولكن خاب ظني ، فلم أجده بجواري يا ألهي ماذا يحدث لي؟!
حاولت تحريك ذراعي فشعرت به ثقيل ولا يتحرك ، بالإضافة لشعوري بالألم في أجزاء متفرقة في جسدي، تسألت وأنا أحاول أنا أحرك جسدي:
- أنا فين ؟!
سمعت صوته مرة أخرى من بعيد يناديني بقلق :
- ألما أنتِ سمعاني؟!
أردت أن أجيبه بنعم ولكني لم أستطع التحدث ثانية فأنا تائهة تماماً !
شعرت بيده على رأسي وأتاني صوته يردد بعض الكلمات بذعر وخوف شديد لم أتبينها جيداً ، مثل :
- يا دكتور ، ايه اللي بيحصل ، هي ردت عليا !
وفجأة تداخلت بعض الأصوات الغريبة تتحدث معه وعلى ما يبدوا هناك حركة غير طبيعية تدور من حولي أشعر بها،
صوت أقدامهم تطرق على الأرض بسرعة جعلتني أشعر بالخوف فناديته بوهن:
- مصطفى
ثم شعرت بثقل عيني المغلقتين وبرودة تسللت لوريدي لم أعرف مصدرها ولكنها كانت كفيلة بجعلي أغيب عن الواقع مرة أخرى !
رائحة خبز محمص تمتزج مع رائحة قهوة منعشة تسللت لأنفي فستنشقتهُا
بعمق جعلني أضم حاجبي وأنا أتسأل عن مصدر هذه الرائحة ،
زال تعجُبي حين سمعت صوتاً أعرفه جيداً على ما يبدوا أنها مروة أبنة خالتي :
- عشان خاطري يا مصطفى كل بس اللقمة دي قبل القهوة انت عديت ال 24 ساعه من غير لا أكل ولا نوم وعمال تشرب في قهوه بس
حاولت أن أخرج صوتاً من فمي او حتى تأوهاً ولكن حنجرتي أبت أن تطاوعني ، قررت الاستسلام وعدم المقاومة فأنا الأن متعبة للغاية ،
طاوعت النوم الذي ألح علي وذهبت في رحلة أخرى ،
عدت ولم أدري كم مر على من الوقت وحاولت ثانية أن أُصدر أي ردة فعل بجسدي او حتى عيناي فلم أستطع ، أستكنت حين سمعت صوته يتحدث بالهاتف :
- انهارده يا عمر ، لاء ، صدقني اخر فرصة ليك تعمل اللي اتفقنا عليه بعد كدا محدش يلومني !
اردت أن أناديه وأعتذر منه عما فعلته، أردت أن أعترف له بحبي وأن أخبره أنني أسامحه على كل ما فات ، أريد أن أبدأ معه بداية جديدة يكفي ما تحملناه من ألم !
رجوت جسدي أن يطيعني أتحرك من موضعي أو حتى أستيقظ ولكنه أبى، تململت براسي ولكني شعرت به ثقيلاً جداً توقفت حين تناهي لسمعي صوت باب يُفتح ونبرة قلق من أمي كانت كفيلة بجعلي اُصبح كالصنم :
- لسه ما فقتش
- لاء يا خالتو لسه
- طب الدكتور قالك إيه؟!
- قال من الأحسن تفضل نايمه ، متفلقي يا خالتو هتبقى تمام
صوت شهقات أمي المرتفعة جعل قلبي يؤلمني من أجلها لقد عانت أمي معي في هذه الفترة الأخيرة ، كم كنت أتمنى حياة أفضل لي تجعلها تفتخر بي ولكن ما حدث كان خطأ كبيراً ومازلت أدفع ثمنه!
قررت أن أستيقظ وأطمئنه أني بخير ولكن صوت صرير الباب أوقفني ، وقع أقدام خفيفة وصوت نسائي جاد أمر أمي ومصطفى بالخروج،
تسألت من هذه ولكن الإجابة كانت واضحة من صوت أخر كان معها يقول لها :
- انا هحطلها الحقنه على ما تفضي القسطرة لان الدكتور هيمر بعد نص ساعة ولازم يلاقي غرفة الحالة نضيفه حاولي تنظفي الاوضه واهلها بره بسرعه
شعور الصقيع تغلغل في اوردتي مما جعلني أتيقن أنني سأنام مرة أخرى، وقبل أن أسترسل في تفكري كنت في عالم أخر!
شعرت بيده تحضن يدي وتشد عليها بقوة، لمساته دافئة وحنونه جعلت جسدي ينتابه قشعريرة محببه،
لقد اشتقت إليه بالفعل يكفي هذا يجب علي أن أفتح عيني لأراه !
جاءني صوته المرتعش يخبرني :
- أنا ظلمتك يا ألما وكنت ندل جداً معاكِ بس أوعدك أني هصلح غلطتي،
أحسست بنقطة ماء تسقط على كفي ! هل هذه دموعه؟! مستحيل، لم أراه طوال حياتي يبكي من قبل!
ترك كفي حين دخلت أمي يتبعها صوت خالتي الغاضب وهي تقول :
- حرام عليك يا أبني أنت لسه هنا
صوته كان جاداً للغاية برغم اهتزازه :
- ماما لو سمحتِ مش عاوز كلام في الموضوع دا
تنهدت أمي قائلة :
- مامتك عندها حق يا مصطفى روح يا حبيبي ريح واحنا هنقعد معاها انهارده وأوعدك لو فاقت هنتصل بيك
أردت أن أصرخ باعتراض ولكني لم أقدر فلعنت عجزي وحاولت تحريك جسدي لكي يروني ولكنهم من الواضح لم يلحظوا ما أفعله،
توقفت عن المحاولة حين وجدته يقول بصرامة :
- ارتاحوا أنتوا الأتنين أنا مش هخرج من هنا من غيرها ومش حابب أسمع أي كلام تاني..
صوت خطواته ازدادت حدة وهو يخبرهم :
- أنا هعمل مكالمه وجاي حد عاوز يشرب حاجه ؟!
قام الاثنين بشكره فانطلق خارج الغرفة بينما جلس الأثنان وبدأت أمي بالبكاء ثانية ،
أوقفتها خالتي قائلة بحنان :
- خلاص بقى يا حبيبتي ما تعطيش إن شاء الله هتقوم بالسلامة وتبقى زي الفل وهنفرح بيها وبمصطفى
صوت طرق على الباب جعلهم يتوقفون عن الحديث وتقدمت خالتي بضع خطوات وهي تقول :
- أتفضل يا دكتور
صوت جهوري لرجل أربعيني ألقى عليهم السلام ثم أمسك بيدي ووضع على مرفقي سماعة تعلوها لاصقة فسمعت صوت أمي الباكي يتبعه شهقات خفيفة وهي تتسأل :
- طمني يا دكتور؟!
فتح اللاصقة وأزالها من على يدي وهو يجيبها :
- لاء تمام ضغطها اتظبط الحمد لله وان شاء الله هنوقف المهدئات وساعتين بالكتير وهتفوق
حمدت الله وشكرته بينما أوقفته خالتي :
- طب اصابة دماغها يا دكتور؟!
ما بها رأسي؟! وددت أن أحرك يدي نحوها ولكني لم أستطع للمرة الثالثة تحريك يدي!
- بسيطة يا مدام ما تقلقيش مجرد ما تفوق هنعرف الأضرار وصلت لفين أنما طبياً العملية نجحت الحمد لله
عملية؟! أي عملية؟! ماذا حدث لي!
وددت لو استطعت حتى أن أفتح عيني أو أن أخرج صوتي وأتسأل عما حدث لي ولكني مكبلة تمام جسدي كله مشلول، لا أشعر بأطرافي ، أحسست بحزن شديد يجتاحني وذهب عقلي على الفور إليه فتساءلت لماذا تأخر هكذا؟! انها مكالمة هاتفيه لا تستدعي كل هذا الوقت!
ذهبت بأفكاري إليه ولم أشعر بخروج الطبيب من الغرفة بل شعرت باليأس من ابتعاده ولكنه لم يتركني أنتظر كثيراً وسمعت صوته يفتح الباب ، وصلني صوته حزين ويائس ، مالذي حدث معه بالخارج؟!
تسرب القلق لقلبي وتناسيت إصابتي التي إلى الأن لا أعرفها ولا أعرف مدى الضرر الذي لحق بجسدي ، الأهم الأن هو فأنا بخير ما دُمت بجانبه ،
لاحظت أمي توتره كما تبينته من نبرته وهو يتحدث معهم فسألته :
- في حاجه يا مصطفى يا أبني؟!
أجابها باقتضاب :
- ما فيش حاجه يا خالتو، المهم الدكتور طمنكوا أنا شوفته داخل الاسانسير مالحقتوش
أخبرته خالتي عما قاله الطبيب ودخلت الممرضة للغرفة تقول :
- الزيارة أنتهت ياريت مرافق واحد مع الحالة
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها تاركة مصطفى يقول بإصرار وقبل أن يعترض أحدهم :
- يلا يا ماما خدي خالتو وروحوا
اعترضت والدتي بغضب ولكنه لم يبالي كعادته وفتح لهم باب الغرفة وبصوت آمر وحاسم طلب منهم الخروج ،
لم يستطيعوا الاعتراض ثانية وخرجوا من الغرفة وعلى ما أظن قد أجبرت خالتي أمي على المضي قدماً لأني سمعت صوتها المتبرم خارج الغرفة،
أغلق الباب خلفهم وسمعت صوت المقعد بجواري فيبدوا أنه جلس عليه ،
حمدت الله أنني لم أغيب عن الوعي مرة أخرى وسأستطيع سماع حديثه معي، أريد بشدة أن أعرف ماذا سيقول لي وهو على علم بأنني غائبة عن الوعي ولكن الدهشة أصابتني حين أمسك يدي يضغط عليها وهو يقول لي :
- أنا عارف أنك سمعاني وحاسة بيا ، ألما أرجوكّ فوقي بقى ،
حاولت أن أضغط على كفه الذي يحضن يدي وبذلت أقصى ما في وسعي حتى يشعر أنني أسمعه وأعي جيداً ما يقول ولكنه انتفض تاركاً يدي وسمعت صوت المقعد يرجع للخلف حين رن هاتفه ،
تلقى المكالمة بصوت مضطرب ويائس :
- في إيه تاني يا عمر ، لاء طبعا لسه مصمم على رأيي
تحول صوته لغضب شديد وهو يقول :
- مش هسيبه صدقني مش هرتاح غير لو جبته تحت رجلي، ألما بس تفوق، لاء ياعمر مش هسمعك تاني لو كنت أتصرفت زي ما كنت عاوز من الاول ومكنتش مشيت وراك مكنش زمانها مرميه دلوقتي بقالها يومين !
يا ألهي أنا هنا منذ يومين ؟!
من هذا الذي يتحدث عنه؟! أنا لا أفهم شيء !
عاد مصطفى يجلس بجواري فقررت أن أستيقظ يكفي هذا فلنبدأ بفتح عيني ،
شعرت برأسه تتكأ على كفي فكان حافز أكثر من جيد ولكني أشعر بعيني ثقيلة جداً، فقررت أن لا أستسلم مصطفى يحتاجني وأنا في أشد الحاجة إليه الأن يجب أن أفتح عيني وأعرف ماذا حدث لي وعن أي شيء يتحدث ، استنفذت عدة محاولات فاشلة وفي الأخيرة منهم استطعت أن أفتح عيني
في البداية دارت الغرفة بي ولكن مع اصراري بدأ يخف الدوران قليلاً حين نظرت إليه وهو يحني رأسه على يدي، تجعدت ملامحي حين رأيت يدي التي يحتضنها مصطفي بها جبيرة من أول كتفي حتي مرفقي ،
لهذا كنت أشعر بثقلها،
حركت رأسي أنظر ليدي الأخرى فوجدتها موصولة بجهاز معدني يتدلى منه زجاجة محلول في منتصف الزجاجة إبرة حقن فارغة،
أيقنت أن تحريك يدي الأخرى من المستحيلات فأنا أشعر بتنميل شديد بها،
أجليت صوتي بعدة تنهدات وناديته بوهن :
- مصطفى
لم يجيبني وكأنه غفا على يدي ، عيناه مغلقة بشدة وحاجبيه ملتصقان بغضب وشفتاه مذمومتين بحنق ، كم كنت أتمنى أن ألمس وجهه الجميل وملامحه التي دوماً تأسرني برغم كل ما حدث ،
أشفقت عليه وتركته ينام قليلاً وقررت أن أتأمل ملامحه التي اشتقت إليها حد الموت ، كنت أعتقد أنني لن أراه مرة أخرى ولكنه قدري لقد أيقنت الأن أنه قدري!
استرسلت في أفكاري و أنا أتأمله بعشق خالص ارتسمت على وجهي ابتسامة محببه وأنا أتذكر ما حدث بيننا، توقفت حين سمعت صوت أنفاسه العالية وهمهمات لم أفهم منها سوى أسمي الذي يردده برعب ، تجعدت ملامحي بقلق وذعر وأنا أحاول أن أحرك يدي الأخرى بصعوبة لكي أضعها على رأسه وأطمئنه علي، شعرت أنني مقيدة في هذا السرير اللعين فلعنت حظي العسر و بدأت أكلمه بصوت مرتفع قدر ما استطعت :
- مصطفى أنا هنا
على صوته بطريقة أرعبتني ثم انتفض من مكانه يلتف حول نفسه وهو مازال يردد :
- ألما لااااء
*****************************************

ليست هناك تعليقات: