أما بالنسبة له فالتملك هو النهاية !
لحظات كانت أشبه بانتزاع روحي من جسدي وأنا أقف هنا في هذا الممر الطويل الذي ينتهي نهاية بغرفة العمليات الجراحية بعدما أخذوها مني في استقبال المشفى وأستلمها مني الأطباء عندما صرخت بهم في وسط البهو الكبير لينقذوها بأقصى سرعه ،
تركت عمر يُخبر والدتي ومروه وسمعته وهو يقف بجواري يقول لمروه:
- كلمي مامة ألما وحاولي تطمينها
ابتعد عني قليلاً وهو يُكمل حديثه مع مروه ويشرح لها حالة ألما الغير مطمئنة بالمرة فهو يعرف مدى توتري وقلقي لهذا فضل الابتعاد عن مرمى سمعي ، قدرت له ذلك وعدت بعقلي الذي يرفض رفضاً تاماً محو صورتها وهي متكومة على الأرض وحولها بقعة من الدماء تتسع في كل لحظة،
فركت جبهتي بكفي عل هذه الصورة تختفي ويحل مكانها صورة ألما التي أعشقها ولكنها أبت أن تترك عقلي كما أبى القلق أن يهدأ قليلاً حتى أستطيع التنفس بشكل صحيح ،
قلبي يدق بسرعة كبيرة بينما جسدي كله في حالة تأهب قصوى ادخرت كل غضبي حتى أطمئن على ألما وبعدها لن أتوانى عن قتل هذا الحقير الذي فعل بها هذا،
خرج الطبيب من الغرفة بعد ثلاثين دقيقة عشتها في عذاب نفسي كاد يفتك بي، ركضت نحوه بهلع أسأله عن حالتها فأخبرني بعملية :
- حالتها دلوقتي مستقرة نزفت كتير من دماغها وهنعرف مدى الأضرار اللي حصلت لما تفوق بس مش هينفع نخليها تفوق قبل 3 تيام
وقبل أن أستفهم منه أكثر سمعت صوت شهقات خالتي وهي تركض نحوي بفزع أرتبك الطبيب واستئذان بخجل وذهب،
طمئنت خالتي ببضع كلمات هي وزوجها والذي لحق بها وعلامات الخوف الشديد تزين وجهه بين أخوها يقف بجسد مهزوز يتسأل ماذا حدث لها؟!
حاولت مجاراة الجميع وأجبتهم بكلمات لم أعنيها حقاً وعقلي يحلل كلام الطبيب في أكثر من اتجاه ،
خرجت الممرضة من الغرفة فأسرعت نحوها أتسأل لماذا لم تخرج ألما إلى الأن فأجابتني :
- دكتور العظام عندها جوه بجبس لها دراعها، شويه وهتخرج لغرفة عاديه وتقدروا هناك تشوفوها،
انضمت أمي ومروه وأبي للبقية فقررت الهرب قبل أن أعود للاستجواب الذي لا أتحمله حقاً الان ،
أشرت لعمر فأتبعني وذهبنا نحو الكافتيريا الخاصة بالمشفى،
جلست على أقرب مقعد منهكاً لأقصى حد، جلس عمر بجواري وهو يربط على كتفي قائلاً :
- هتبقى كويسه ان شاء الله
كنت أتمنى لو أصدقه وأكذب حدسي ولكني لا أستطيع إلا التفكير فيما حدث لها وكيف حدث ذلك؟!
- هو اللي حدفها من العربية ولا هي اللي رمت نفسها؟!
تسألت وأنا أنظر حولي بعينان زائغتان فأجابني عمر :
- مش عارف بس لو فكرنا بمنطقيه هقولك هي اللي حدفت نفسها مستحيل يكون خاطفها عشان يرميها من العربية في نص الطريق
- وليه لاء ممكن يكون شاف او حس انك وراهم فقرر يخلص منها قبل ما يدخل في سين وجيم
اعترض عمر معللاً أنه حتى لو رأه فهو لا يعرف هويته، أستبعد هذا الاحتمال بينما كل ما أفكر به الأن كيفية انتقامي من هذا القذر ،
وبإصرار كبير قلت له :
- المرة دي مش هسيبه
شعر عمر باضطرابي فقام من مكانه وقرر أن يتسلم زمام الأمور قبل أن أخرج عن السيطرة :
- اديني فرصة واحده وأنا هبيتهولك في الحجز بتهمه ياخد فيها بالميت عشر سنين
رفعت عيني نحوه وأنا أصك أسناني فترجاني لأعطيه هذه الفرصة، تركته يذهب وكل خلية في جسدي تبكي ألما وما حدث لها،
رنين هاتفي جعل أفكاري تتوقف نظرت نحو الشاشة فوجدتها مروه أجبتها سريعاً فأخبرتني أنهم أخرجوها من غرفة العمليات وانتقلت لغرفة عاديه ،
أسرعت للطابق الثاني مهرولاً فوجدت الجميع يلتف حولها وهي مستكينة الجسد في عالم أخر،
قلبي لا يتحمل رؤيتها هكذا توقفت غصة في نص حلقي وشعرت بألم شديد في صدري ولكني تحملت معاناتي التي لاتشبه ما مضى في شيء ،
فكل ما جرى بيننا في كف ورؤيتها هكذا في كف أخر، ما الذي فعلته هذه الغبية بنفسها،
جلست أنظر نحوها وأتأمل ملامحها البريئة وأتوجع كلما وقعت عيني على هذه الكدمات الزرقاء التي تحاوط وجنتها وجبهتها، انفصلت عن كل من حولي وعدت لتلك الليلة الملعونة، ماذا فعلت بها وبنفسي؟!
يا ألهي كم كنت أحمقاً غبياً !
أنتصف الليل وظهر التعب جلياً على الجميع فوقفت وبصوت صارم أخبرتهم :
- يلا يا جماعه الوقت أتأخر ولازم تروحوا
ضمت خالتي حاجبيها بغضب قائلة :
- أنا مش هسيب بنتي يلا أنتوا اتكلوا على الله
كظمت غيظي بقوة فأنا لست في مزاج جيداً لهذه المُهاترات فأنا لن أتركها ولو كان الثمن إغضاب الجميع ،
دخلت الممرضة بعد أن طرقت الباب لتقول :
- يا جماعه من فضلكم الزيارة كدا طولت جدا لازم المريضة ترتاح مرافق واحد وياريت الباقي يفضي الغرفة قبل ما الدكتور يمر وتبقى مشكلة
نظرت نحوها بغضب فخرجت مسرعة ، ألتفت نحو خالتي بنفس النظرة فارتبكت ولكنها أصرت على التذمر بغضب ،
أخذت بضعة أنفاس أهدئ من روعي واقتربت منها أحاول أقناعها بالعودة للمنزل وأن تأتي في الصباح وأخبرتها أن الطبيب يريدها نائمة وسيظل الجميع يحقنها بمهدئ حتى تظل ساكنة هكذا لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام،
اقتنعت بعدما أستعنت بوالدتي ومروه وأقنعها والدي وزوجها بأن الأفضل لها أن تعود للمنزل،
خرج الجميع وجلست أنا بجوارها أتنهدت بألم وكأنني كزت أنتظر هذه اللحظة لكي أعبر لها عما يجول في نفسي لعلها تسمعني وتغفر لي،
أمسكت كفها الصغير بين يدي أقبله بشوق وأنا أقول لها :
- أنا آسف ، أرجوكِ سامحيني !
كلمات خرجت من قلبي المتألم إليها، كم وددت لو أجابتني وكأنها بالفعل سمعت صوتي فوت ملامحها تتجعد بألم وهي تردد بصوت خافت :
- أنا فين؟!
يا ألهي يجب ألا تستيقظ الأن !
رددت برعب :
- ألما أنتِ سمعاني !
لم تجيب ولكن ملامح وجهها المتألم كانت كفيلة بجعلي أفتح باب الغرفة وأصرخ بالطبيب الذي من حسن حظي كان قادم إلينا وهو ومساعدته،
ركض الجميع بداخل الغرفة فوضعت يدي على رأسها بحنان وأنا أتكلم بخوف شديد يجتاحني :
- إيه اللي حصل يا دكتور؟! إيه اللي خلاها تفوق المفروض انها واخده مهدئات!
- سألني بقلق :
- هي أتكلمت ؟!
- أيوه ردت عليا وسألت أنا فين!
أجابني وهو يتفحص نبضها بجهاز قياس الضغط :
- دا مؤشر كويس بس برده لازم تفضل نايمه اطول فتره ممكنه
ثم أخبر مساعدته بسرعة حقنها بأحد الأدوية ففعلت ما أمره بها وقبل أن تستريح ملامحها وتذهب في سبات عميق .. رددت أسمي بوهن شديد جعل قلبي ينتفض داخل صدري بألم لا أعرف مصدره!
تنهدت براحة بعدما خرج الطبيب ومساعدته وأخبر الطبيب ممرضاته بضرورة متابعتها كل اربع ساعات على الأكثر،
أغلقت الباب خلفهم وجلست بجوارها مرة أخرى وقررت ألا أحدثها ثانية لكي لا تستيقظ ،
أشرقت الشمس وأنا على حالي أتأمل وجهها الجميل بصمت أتذكر كل ما مر بنا ، شعرت بالضجر الشديد والاختناق مما فعلته بها فوقفت أزفر بضيق وأنا أقف أمام الشرفة أشاهد شروق الشمس وأملأ رئتي ببعض الهواء ،
طرقت الممرضات باب الغرفة للمرة الثانية هذه الليلة فأذنت لهم بالدخول لفحصها مثل المرة الماضية وحقنها بالمهدئ ،
انهوا مهمتهم وخرجوا من الغرفة فخطوت نحو الهاتف الداخلي وطلبت القهوة للمرة التي فقدت عدها ،
دقائق استمريت فيها على وقفتي حتى طرق الفتى باب الغرفة وهو يحمل قهوتي ، وقبل أن أغلق الباب كانت مروة أمامي،
دلفت للداخل تحمل معها بعض الخبز المحمص وظلت ترجوني أن أكل كنه ولكنها لا تفهم أنني أجاهد لأفتح فمي أتناول من خلاله القهوة،
لقد فقد الشعور بالجوع وحتى العطش، فقدت الشعور بجسدي ورغبتي في النوم أو أن أفكر باحتياجه ،
جلست مروه قليلاً تتحدث في أشياء لم تعلق بذهني ففطنت أنني لا أهتم لما تقول أو بالأحرى لا أسمعها فقررت الذهاب بهدوء،
عدت لأجلس بجوار ألما كما فعلت طوال الليل فلو عشت عمري هكذا لن أمل من تأملها أمامي ولكني أريدها مستيقظة وبخير،
امسكت بهاتفي لأتصل بعمر كي أرى ما وصل إليه منذ الأمس ، لم أنتظر كثيراً حتى أجابني بصوت مضطرب ، سألته مباشرة عما حدث فاشتعل الغضب بقلبي وانفعلت عليه بعدما تملكني الجنون حين أخبرني أن هذا الحقير أستطاع الاختباء من الشرطة ،
كرهت شعور العجز الذي تملك مني ، حيرة و قهر وغضب لا أستطيع السيطرة عليه !
كنت أتمنى أن أحكي لها ما حدث ، قذفت الهاتف على الأرض فتحطم وجلست على ركبتي أمسك كفها بيأس وأنا أردد :
- أنا ظلمتك يا ألما وكنت ندل جداً معاكِ بس أوعدك أني هصلح غلطتي،
سقطت دمعتي على كفها ولكني أزلتها سريعاً حين دخلت أمي وخالتي للغرفة ،
تلقيت منهما كلمات اعتراضية على وجودي معها فأوقفتهما وقررت أن أتركهما معها قليلاً قبل أن أفرغ غضبي بهما وتحججت بمكالمة هاتفيه وانطلقت نحو حديقة المشفى أجلس بها حتى يأتي ميعاد رحيلهما ،
جلست أفكر وأفكر فهاتفني عمر أجبته وغضبي منه بدأ يتصاعد فهو يريد حلا قانوني وأنا أريد قتله وتعذيبه بيدي ،
فتحت الخط ولم أتكلم ففهم حالتي وسألني عنها ، أجبته برد مقتضب وأنا أسأله عما فعل حتى الأن ،
- لسه بندور عليه و ..
أغلقت الخط وهو يتحدث قبل أن أفقد أعصابي !
انتفضت من مجلسي وقررت الصعود إليها لعل رؤيتها تريح قلبي المحترق من أجلها ،
وجدت الطبيب يدخل للمصعد فأردت اللحاق به ولكني لم أستطع ، فدلفت للغرفة وسألت أمي وخالتي فطمئنت قليلاً على حالتها وعدنا لتذمر خالتي في المكوث معها ،
فطنت أمي حالتي السيئة فأخذت خالتي وخرجت ، جلست بجانب ألما وأحتضن كفها بين يدي وبرجاء خرج من أعماقي قلت لها :
- أنا عارف أنك سمعاني وحاسة بيا ، ألما أرجوكّ فوقي بقى ،
لحظات انتظرتها تبين أي ردة فعل على سماعها لي ولكنها صامده لأقصى حد ، رنين هاتفي جعلني أتوقف وقد عاد غضبي مع صداع يدق رأسي بألم
انه عمر مرة أخرى، أجابته بضجر وإصرار على ما نويته سأطمئن على حالة ألما ولن أدع ذالك الكلب يهرب بفعلته،
أغلقت معه الهاتف وأنا أشعر بثقل شديد بجسدي فجلست على المقعد بجوارها وضممت يدها بين يدي ووضعت رأسي بين كفيها بإرهاق شديد وتعب لا يحتمل،
لم أشعر بنفسي وغفوت مكاني ، وبعد لحظات كانت تقف أمامي تبتسم بجمال ليس له مثيل خطوت نحوها بابتسامتي المحببة إليها وقبل أن أصل إليها وجدته يقف خلفها بعينان حمراء ويضع يده على رقبتها ويجرها للخلف،
تسارعت نبضات قلبي وحاولت أن أركض نحوهما ولكنني كلما ركضت كان يبتعد بها، صرخت بإسمها بأعلى صوت أمتلكه حتى استيقظت وأنا أقف على قدمي ألتفت حولي بذعر حتى رأيتها على الفراش تنظر لي بعينيها الزرقاء برعب شديد ....

ليست هناك تعليقات: