حكايات من عالمي الخاص ( بدر رمضان)

بدر رمضان كاتبة مصرية وهذه مدونتي الخاصة التي تحتوي على أعمالي الالكترونية المجانية، والكثير من المقالات الخاصة بالعالم الأخر.

( حب وخطيئة) 19



 الدرجة العاشرة هي الاستكانة :

" ومعناها الوصول لمرحلة الذل والخضوع في الحب "

" هي تحتاج إلي الشعور بحبه !

لعنت حظي العسر و بدأت أكلمه بصوت مرتفع قدر ما استطعت :

- مصطفى أنا هنا

على صوته بطريقة أرعبتني ثم انتفض من مكانه يلتف حول نفسه وهو مازال يردد :

- ألما لااااء

رددت بوهن ما زل يتملكني :

- أنا هنا

نظر نحوي للحظات فظننت أنه لم يستوعب بعد أنني مستيقظة ، تركته يدرك الأمر على مهل ثم فجأة أنطلق نحوي يحاوط وجهي بكفيه ومازال صدره يعلو ويهبط بانفعال شديد ثم لمعت عيناه بدموع حبيسة ألجمتني فلم أجد من الكلمات ما استطيع التعبير عما أشعر به،

اخذ برأسي على صدره وهو ينهت مما جعلني استنشق عطره وأنا مغمضة العينين حتى يتخلل عبيره كل حواسي يا الهي لقد اشتقت له كثيراً،

ابعدني عن صدره وهو يتفحص ملامح وجهي بنهم شديد ثم أغمض عينه وأطبق فمه وكأنه يحارب شيء ما بداخله سقطت دمعة على وجنته فأصبتني الدهشة وانا أردد بداخلي " مستحيل مصطفى بيبكي؟! "

والأغرب من دمعته هو عدم اخفائها فهو لم يحاول الابتعاد عني أو حتى تحويل وجه لجهة أخرى وكأن كل ما يفكر فيه الأن هو أنا !

شعور جميل وددت لو أستمر العمر بأكمله، فتح عينيه ومرر يده على وجهي وهو يسألني بصوت أجش مُتعب للغاية :

- أنتِ كويسه؟!

هززت رأسي بنعم وأنا أضع كفي على يده التي تحضن وجهي، أبتلع ريقه بصعوبة وتجعد جبينه وهو يردف :

- اذاكِ؟!

أجابته لأبث قليل من الطمئنينة في داخله :

- لاء ما لمسنيش

ابعد كفيه عن وجهي وأمسك يدي بعدما أزاح دمعته الساقطة على وجنته ثم أكمل بإرهاق شعرت به في كل حرف ينطقه :

- إيه اللي حصل؟!

قصصت له ما حدث منذ أن خرجت من بيتي وتحملت تغير ملامحه مع كل حدث ألقيته على مسامعه وأنا واثقة أنه لولا مرضي كنت تعرضت لصفعة منه على وجنتي جراء ما فعلته دون أذنه او حتى اخباره بالأمر!

طرقت الممرضة باب الغرفة فأذن لها بالدخول بعدما ترك يدي ، ابتسمت نحوي بود وتمنت لي العافية وهي توقف المحلول الموصول بكفي بعدما أنتهت الزجاجة ولم يعد بها سوى بضع قطرات ،

فحصتني فحصاً سريعاُ ودونت ما فعلته على الملف المعدني المعلق في نهاية فراشي ثم خرجت من الغرفة بعدما اخبرتني انها ستعود بعد عدة ساعات وأكدت على مصطفى أن احتجت شيء يستدعيها وستحضر في الحال،

اومأ لها برأسه قبل أن تغلق باب الغرفة علينا فأقترب مصطفى بكرسيه من فراشي وهو يمرر سبابته على طول وجنتي قائلاً :

- حاولي تنامي ترتاحي

لا أريد النوم أنا أريد التحدث معه عما مضى، حركت رأسي نفياً وأنا أردد :

- مش عاوزه أنام انا محتاجه اتكلم معاك

ابتسم في وجهي والتعب يلون ملامحه قائلاً :

- نتكلم بعدين حاولي تنامي عشان خاطري

ثم أشار للأريكة الموجودة في نهاية الغرفة ليكمل :

- أنا هرتاح هناك شويه لو حسيتي بأي حاجه أندهيلي أنا مش هنام

كرهت كونه يتباعد عني ويحاول الهروب مني ولكني قررت تركه كما يريد تنهدت بعمق وانا أردد :

- حاضر

ذهب نحو الأريكة وتمدد عليها وهو يواليني ظهره ظللت أنظر نحوه حتى غفوت يبدوا أنه كان محقاً أنا أحتاج للنوم بشده ...

لم أعرف كم مر علي من الوقت ولكني استيقظت على صوت طرق على الباب ففتحت عيني بذهول حين سمعت صوت أمي تفتح الباب لتدخل من خلاله الممرضة رفعت عيني أبحث عنه فلم أجده في الغرفة ووجدت أمي تُقبل جبهتي ودموعها تتساقط على وجهها وهي تحمد الله على أني بخير،

تحدثت معها الممرضة عن حالتي المطمئنة وهي تضع زجاجة محلول أخرى وتزودها ببضع حقن وتخبرنا أن الطبيب سيأتي بعد ظهر اليوم ليفحصني توقفت عن جملة "ظهر اليوم " فتسألت :

- هي الساعة كام؟!

أجابتني أمي وهي تمرر يدها على شعري :

- الساعة 8 يا حبيبتي

وبرغم تعجبي فالوقت ما زال مبكراً جداً لم أستطيع التحمل دون السؤال عنه :

- فين مصطفى يا ماما؟!

استأذنت الممرضة للخروج بعدما أنتهت وشكرتها أمي على اهتمامها ثم ألتفت نحوي قائلة :

- كلمني من ساعه قالي أنك فوقتي مكدبتش خبر وجيت جري وهو استئذن أول ما أنا جيت لأن عنده مشوار مهم،

تركتني وذهبت نحو الأريكة تُخرج بعض العصائر الجاهزة ثم أتت به إلي وهي تُكمل :

- الدكتور قال لمصطفى تقدري تشربي عصائر انهارده

لم أشعر بالراحة تجاه اجابتها الغامضة وتسألت :

- مشوار إيه ما قلكيش

شعرت بحنق أمي الشديد ولكنها سيطرت على نظرتها قليلاً وهي تجيبني :

- أكيد روح البيت يغير هدومه يا بنتي ويرتاح بقاله ثلاث تيام لازق جنبك مش راضي يتحرك ولا رضى حد فين يقعد معاكي غيره

يبدوا أن أمي غاضبة منه لم أريد أن أغضبها أكثر من ذالك فأثريت الصمت على أمل أنه سيأتي بعد قليل ولكني لسوء حظي فقد جاء الطبيب ليفحصني وهذا معناه أن النهار قد أنتصف ومصطفى لم يعود ،

جاء أبي وأخي ومن بعدهم خالتي ومروه وجلس الجميع حولي يتحدثون حول ما حدث تركت أمي تخبرهم عن الحادث بعدما أخبرتها في الصباح أنني تعرض لحادث تصادم بعدما خرجت من مقابلة العمل ،

تحدث أخي عن تعويض وضرورة البحث عن السائق الأرعن الغير مسؤول ولكني اضطررت للتدخل أنني أنا المخطئة وأن السائق ليس له ذنب أنا التي لم تنتبه للطريق،

طرقات على باب الغرفة دخل من خلالها شرطي ومعه رجلاً يتبعه بيده دفتر وقلم يرتدي زي عسكري،

استئذن الشرطي من الجميع ثم نظر نحوي قائلاً :

- لو حالتك الصحية تسمح ممكن نقفل المحضر

وقف أخي بجواري وأبس من الجهة الأخرى بينما تنحت أمي وخالتي ومره للخلف،

ارتبكت وأصبحت حالتي سيئة للغاية أريد أن أخبرهم عن هذا الحقير الذي خطفني ولكني لا أستطيع ذلك وسط أهلي فماذا أفعل؟! وجدت نفسي أردد

" أنت فين يا مصطفى؟!

وكأن الضابط فطن من حالتي أنني لا أريد التحدث أمام عائلتي فطلب من عائلتي الخروج رفض أخي وعلل ذالك بأنه محامي ويجب عليه مرافقتي فأجابه الشرطي :

- هي مش محتاجه لمحامي حضرتك دا هما كلمتين وعموما لو احتاجنا هندهلك فوراً

خرج الجميع على مضض وجلس الشرطي على الكرسي بجواري بينما عاد مساعده يجلس على الاريكة ليدون ما سأقوله له،

بدأ سؤاله بما حدث فقصصت عليه ما حدث معي وأخبرته عن أسم الشركة وعنوانها وكل التفاصيل التي أعرفها فيجب أن ينال هذا الحقير جزاءه ،

دون العسكري كل ما قلته وشكرني الشرطي على مساعدتهم ثم خرج من الغرفة وعاد الجميع للداخل يتسألون عما قلته لهم ،

تظاهرت بالتعب الشديد وطلبت منهم الهدوء حتى أخلد للنوم وقررت الهروب عل مصطفى يعود حين أستيقظ ،

أغمضت عيني وتظاهرت بالنوم فاستأذنت خالتي ومروه ومن بعدهم خرج أخي بما أخبر أمي وأبي أن لديه عمل مهم،

جلست أمي وأبي يتحدثون عن حالتي وما أخبرهم به الطبيب ومتى سأخرج من هنا، تتبعت حديثهم حتى غلبني النعاس لبعض الوقت،

ايقظتني أمي حين جاءت الممرضة بوجبة طعام صحي وطلبت مني تناولها، نظرت حولي فلم أجد أبي فيبدوا أنه عاد للمنزل :

- مصطفى مجاش؟!

هذا أول ما تفوهت به حين فتحت عيني ، نظرت لي أمي بغضب ولكنها تداركته لوجود الممرضة بالغرفة وأجابتني :

- ما اعتقدش هيجي انهارده تاني

طعنة تلقيتها في قلبي جعلتني أصمت حتى خرجت الممرضة من الغرفة واقتربت أمي تجلس بجواري وهي تضع الطعام على الطاولة المتحركة أمامي وهي تقول :

- يلا يا حبيبتي بسم الله

تناولت الطعام بآلية تامة وأنا أحاول طمئنت نفسي بأنه متعب للغاية ويجب عليه أن يستريح ولكن الطفلة بداخلي تأبي أن تقتنع بهذا الأمر أنا أريده بجواري طول الوقت وأكره ابتعاده هكذا عني، قررت أنا ألجأ للنوم كاحل جذري فهو أفضل وسيلة للهروب لعل اليوم يمضي ويأتي الغد معه !

صوته بدا لي قريب جداً ففتحت عيني سريعاً وحاولت أنا أعتدل جالسة لأراه وجدته ينظر نحوي بابتسامته الساحرة ثم أكمل حديثه لأمي :

- أنا سألت الدكتور قال أنها ممكن تخرج أخر الأسبوع والجبس دا قدامه تلات أسابيع يعني خلينا نقول على أول السنه يعني كمان شهرين

نظرت أمي نحوي بقلق ثم أعادت النظر إليه قائلة :

- وليه الاستعجال دا يا حبيبي

قاطعها بنبرة جدية وحازمة :

- ما فيش استعجال ولا حاجه الشهرين دول هكون جهزت فيهم كل حاجه وأعتقد أن ألما جاهزة كمان

ثم نظر نحوي وأكمل :

- ولا انتي إيه رأيك يا عروسه؟!

عروسه عما ماذا يتحدث؟! هل يتحدث عن زفافنا! يا ألهي لقد أنقبض قلبي وشعرت بالإختناق فجأة وكل ما حدث في الشهور الماضية هاجمني دُفعة واحدة،

شعر مصطفى بارتباكي الظاهر على وجهي فقال لأمي :

- أهو يا خالتو السكوت علامة الرضا ألما معندهاش مانع وأنا مش شايف لزوم للتأجيل وإن شاء الله هعمل لها فرح كبير عشان ما تزعليش

تنهدت أمي وهي تجيبه :

- أنا مش معترضة يا حبيبي بس أنا كان رأيي تستنوا شويه لحد ما تبقى كويسه خالص

قاطعها مرة أخرى :

- على معادنا إن شاء الله هتبقى زي الفل ما تقلقيش أنا ما قررتش إلا ما سألت الدكتور بتاعها كلمي عمي بس وأجهزوا على المعاد

لم تستطيع أمي الأعتراض مرة أخرى ونظرت نحوي قائلة :

- خلاص يا حبيبي اللي تشوفوه

أمسك مصطفى بيدها وقبل جبينها ثم دخل أخي رعد أن طرق الباب، تقدم نحوي وأمسك يدي ليطمئن علي فطمئنت ثم جلس بإرهاق شديد بجوار أمي ، سأله مصطفى عما به فأخبره أن يومه كان عصيب وأردف بما حدث مع من مفارقات طوال اليوم،

نظرت عبر النافذة فوجدت الليل قد حل بالفعل فتسألت

" كم من الوقت قد غفوت "

أخرجني مصطفى من أفكاري وهو يقول :

- يلا يا شادي خد خالتو وروحوا ارتاحوا انا هبات مع ألما

هذه المرة كادت أمي أن تنفجر فأوقفها شادي قائلاً :

- مصطفى عنده حق يا ماما انتي هنا من الساعة 7 الصبح وأكيد ما ارتحتيش ولا دقيقه تعالي نروح ونيجي الصبح تاني

خرجت أمي بصحبة أخي والغضب يزين ملامحها بعدما ودعتني ووعدتني انها ستأتي عندما تشرق الشمس ،

انتظر مصطفى خروجهم وجاء يجلس بجواري فسألته بحنق طفولي :

- كنت فين طول النهار؟!

وجهه تحول للجدية وهو يقول :

- انتِ قولتي إيه للظابط اللي جالك انهارده

تذكرت هذا الأمر فأسرعت بإجابته :

- قولتله اللي حصل

رنين هاتفه أوقفه فأجاب :

- أيوه يا عمر أهلها خرجوا تمام طلعهولي كدا بهدوء وأنا خلاص اتفقت مع الممرضة اللي هتدخلك تلاقيها مستنياك قدام باب الطوارئ ،

ماشي سلام !

نظرت نحوه وألف سؤال يدور برأسي ولكني لما أسئلة سوى سؤال واحد :

- مين اللي هيطلع هنا؟!

عيناه الزرقاء أصبحت قاتمة وهو يجيبني :

- هتعرفي حالاً

ضممت حاجبي بتعجب وأنا أتفحصه ثم توقفت عند ملابسه !

" مصطفى لم يبدل ثيابه منذ رأيته البارحة "


شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات:

بنى نعمان حول العالم

سلسلة بنى نعمان حول العالم