حكايات من عالمي الخاص ( بدر رمضان)

بدر رمضان كاتبة مصرية وهذه مدونتي الخاصة التي تحتوي على أعمالي الالكترونية المجانية، والكثير من المقالات الخاصة بالعالم الأخر.

( حب وخطيئة) 25

 



المرحلة الثالثة عشر من درجات الحب وهي :

الوله : " وفي هذه المرحلة يصبح من الصعب على الطرفين الافتراق ولو لثانية، فجنون الحب هنا أصبح مسيطراً، فلا يجد الطرفان طعماً للسعادة أو الراحة في غياب الطرف الآخر "

" هي دوماً تبحث عن السعادة "

أنهيت المكالمة بعدما حجزت مع المسؤولة ووضعت الهاتف في حقيبتي فور دخول أمي الغرفة لتوقظني ظناً منها أنني مازلت نائمة ، أستمرت في أحتضاني وأزرفت بعض الدموع مما جعل أبي يأخذها من أحضاني بالقوة ، جلست على فراشي بحزن بالغ وأنا أتخيل أنني سأعيش بدون أمي ،

لم تكن يوماً أم متسلطة أو قوية بالعكس كانت صديقتي وكنت أحب مجالستها كثيراً وفي الأونة الأخيرة وبعد ما حدث بيني وبين مصطفى لم يكن أحد بجواري غيرها ،

أجهشت في البكاء فدخل أخي يحتضنني ويهدئني وهو الأخر يبدوا عليه الحزن وهو يقول لي ،

- مين هيستناني لما أتأخر ويداري عليا لحد ما ماما تنام ؟ طب مين هيتعشى معايا الشاورما ويتفرج معايا على فيلم أجنبي ؟

أزدادت حدة بكائي فشدد من أحتضاني وهو يمازحني :

- خلاص ما تعيطيش شوفيلي عروسه من اصحابك انهارده عشان ما تشليش ذنبي

ابتسمت رغماً عني وجاء أبي ليخرجه من الغرفة بمزاح ثم أغلق الباب وجلس ودعاني أجلس بجواره ،

مسحت دموعي التي مازالت تتساقط وجلست بجواره وأنا أضم كفي بعضهما البعض بتوتر بالغ ،

فعلاقتي بأبي لم تكن يوماً بأفضل حال فهو كل ما كان يهمه طوال حياتي هو الحفاظ علي من كل ما يحطني ، ولذلك لم يكن لي أصدقاء مقربين فجميهم لم يكونوا من نوع أبي المفضل فكان يرفض قدومهم لمنزلي أو ذهابي لمنازلهم لذلك كانوا يبتعدون عني على الفور ،

تنحنح ليجلي صوته ثم قال لي :

- أنا يا بنتي زي ما انتي عارفه صعيدي وتربيتي شديده ومكش ليا أخوات بنات ولا اعرف ازاي اتعامل معاهم ، أمك عانت معايا أول جوزنا كتير لحد ما بدأت افهم أن معاملة الستات مختلفة بس اللي مكنتش عارف افهمه أزاي أتعامل مع بنتي ،

ضممت حاجبي متعجبة من حديث أبي فلم يجلس معي هكذا من قبل !

أكمل حديثه وهو يتجنب النظر إلي :

- أول ما أمك خلفتك وأنا كنت حامل هم ازاي هربي بنت وأزاي هتعامل معاها وأول ما شيلتك على إيدي ولقيتك ضعيفة كدا ورقيقه خفت عليك حسيت أني ممكن أذيكي فقررت أسيب كل ما يخصك لولدتك وكل ما كنتي بتكبري وبتحلوي كنت بترعب عليكي أكتر كنت بدعي ربنا ليل نهار ما ياذنيش فيكي ،

عند هذه الجملة بدأت في البكاء مرة أخرى ولكن هذه المرة لم تكن تخصني ولكني بكيت أبي !

أبي الذي استمر أكثر من عشرون سنة يحاول فيها حمايتي وأنا لم أحمي نفسي لعدة ساعات !

ألتفت نحوي وضمني لأحضانه برفق وكأنه بالفعل يخاف إيذائي ، بكيت كما لم أبكي من قبل وشعرت بقطرات دموع ابي تتساقط على رأسي وهو يردف :

- ما تزعليش مني يابنتي لو كنت قسيت عليكي في يوم بس دا كان من خوفي عليكي أنهارده هسلمك لراجل مصطفى راجل وإن شاء الله هيحافظ عليكي ولو زعلك تجيلي جري وأنا أخلص عليه أنا ما أستحملش حد يمس شعره منك ،

وددت لو صرخت به ليتوقف عن هذا الحديث فهو يجعلني أشعر بالذنب أضعاف ما كنت اشعر ، وكأنه سمع نداء قلبي فقبلني من جبهتي وتركني في الغرفة أتجرع مرارة الندم وخرج ،

دقائق قليلة وسمعت باب الشقة الخارجي يطرق بشدة وأصوات كثيرة متداخلة أعرها جيداً ،

دلفت أمي لغرفتي تصطحب خالتي الثالثة وبناتها ومعهم بنت خالي ، حاولت أن أظهر طبيعية ولكنهم تسألوا فور رؤيتي عما حدث لي ، أخبرتهم أمي أنها وأخي وأبي كانوا يودعونني وهذا أثر الوداع ،

حولوا الأمر لمزاح وحاولت مجارتهم في ذلك حتى طلبت مني أمي الأنضمام إليهم على طاولة الطعام لنتناول وجبة الفطار قبل ذهبنا لموعد صالون التجميل ،

تتبعتهم للخارج بثقل شديد في جسدي وكأنني أحارب لأبدوا طبيعية ، كل ما حدث في الشهور الماضية في كفة وما حدث في الصباح مع عائلتي في كفة أخرى !

هل غفلت لهذا الحد وجودهم في حياتي ؟! كيف سأعيش بدون أمي التي تهتم بكل تفصيلة في حياتي من طعام وشراب وملبس حتى هواياتي كانت تشاركني بها ،

أما عن أخي الذي لا يمر يوماً علينا دون مشاكسة وسهر طوال الليل على التلفاز تارة وعلى الحاسوب ورؤية الأفلام مع عشاء فاخر بالأضافة للحلوياتي المفضلة التي كان يأتيني بها كل ليلة !

من سيسد هذا الفراغ ويهتم بي بعد أن أتركهم ؟! من سيخاف علي ويحافظ علي مثل أبي ؟!

هل سيفعل مصطفى ؟!

ابتسمت بسخرية فأول من جرحني هو مصطفى !

حثتني أمي على تناول الطعام وهي تقول لي بمرح ظاهر :

- كلي يا حبيبتي يومك طويل انهارده وما تخافيش أنا هاجي اعيش مع خالتك ومش هسيبك

ابتسمت لها بينما أردفت خالتي :

- وأنا والله ما هصدق وأجي أقعد مع أخواتي

مصمصت أحدى بنات خالتي شفتيها قائلة :

- مالك زعلانه ليه كدا دا أنتي حتى متربيه مع مصطفى وهتعيشي مع خالتو ومروه أمال أنا بقى اللي عشت مع عيله مأعرفش حد فيهم

لم أجيب على أحد منهم وخصوصاً عندما اشترك الجميع في الحديث وانقلب الامر لحوار في العلاقة الزوجية وكيفية نجاحها مما جعلني اقوم على الفور بحجة أنني أحتاج للأستحمام قبل الخروج ،

وبالفعل ذهبت لدورة المياه وجلست في حوض الأستحمام بعدما ملئته بالماء على أخره وتركت جسدي يطفو فوق الماء وحاولت قدر أستطاعتي تصفية ذهني من هذا الضجيج علني أجد حالاً يريحني ولو قليلاً ،

لا أدري كم استغرقت من الوقت ولكني يبدوا أنني جلست لمدة طويلة لأني أمي طرقت الباب بفزع رهيب ،

أجبتها سريعاً قبل أن تستغرق في أفكارها السوداء وأرتديت منشفتي وخرجت وأنا أشعر أن جسدي أصبح أهدى قليلاً ،

أستعجلتني أمي لأرتدي ثيابي سريعاً قبل أن تتجاوز الواحدة فموعدنا قد أقترب ،

خرجت مع أمي وأقاربي لصالون التجميل بصحبة أخي ، نظرت في ساعتي فوجدتها تجاوزت الواحدة والنصف هاجمني القلق مرة أخرى وأنا أفكر في إيجاد حجة قوية لأستطيع الذهاب بها للطبيب بعد ساعة واحدة من الأن ،

أصبح الأمر شبه مستحيلاً حين دخلت صالون التجميل الكبير وأستلمتني أحد الفتيات بالأسم ثم أخذتني من يدي وأخذت من أمي فستاني وحذائي وكل ما يلزمني وأدخلتني غرفة منفصلة تماماً عنهم ! وكل ما يتردد في عقلي سؤالاً واحدٍ " يا ألهي كيف سأهرب من هنا ؟! "

مضت ساعة في لمح البصر ووجدتها أصبحت الثانية والنصف وكل من حولي يعملون على قدماً وساق ، زاد توتري فيجب علي الذهاب فوراً حتى أستطيع الوصول للطبيب قبل مجيئه كي لا أتأخر ،

طلبت منها تركي للذهاب لدورة المياه فوافقت علة مضض وأعطتني عشر دقائق ،

ركضت للخارج فوجدت أمي فى وجهي تأفتت بضيق من محاصرتي هكذا ، تعجبت لخروجي من الغرفة قبل أن أرتدي فستاني فقلت لها أنهم يريدون شيئاً هاماً وسأذهب لأحضاره على الفور ،

حاولت أثنائي عن الأمر وأن تبعث بأحد من بنات خالتي ليبتاع لي هذا الغرض المهم ولكنني حاولت التملص منها قدرت أستطاعتي وركضت خارج صالون التجميل أتنفس بعمق وكأنني كنت بداخل سجناً كبير ،

أوقفت أول سيارة أجرة مرت أمامي وأسرعت بداخلها نحو عيادة الطبيب ، وصلت لهناك وعل عجل سألت الفتاة هل هناك أحد بالداخل فصدمتني أنني تأخرت لعشرة دقائق كاملة مما جعلها تدخل حالة قبلي وأنني يجب عليا الجلوس حتى تخرج من بالداخل ،

لعنت حظي العثر وأضطررت للجلوس والأنتظار ، استغرقت الحالة بالدخل لأكثر من نصف الساعة وأنا أمزق أظافري بتوتر شديد ،

ومن غبائي انني لم أحمل معي سوي محفظتي التي بها النقود وتركت هاتفي بداخل الحقيبة مؤكد ستجن أمي !

جاء موعدي بعدما وصلت الساعة للرابعة والعودة أصبحت مستحيلة ،

دلفت لغرفة الطبيب وجلست بتوتر بالغ لأعرف ما الذي يجب علي قوله ،

سألني عدة أسئلة جعلتني أقص له عما يحدث بداخلي تفصيلاً ، أسهبت في الحديث وفي البكاء حتى أوقفني لألتقط بضعاً من أنفاسي ،

ناولني كوباً من المياه وعدت بعد عدة دقائق أهدى قليلاً ، أكملت له كل ما أشعر به ومخاوفي التي تحاوطني فنصحني :

- ياريت تبطلي تلومي نفسك على غلطه عدت متضيعيش عمرك كله في ندم اللي حصل حصل وانهارده فرحك على اللي بتحبيه ،

حاولي تشيلي اي أفكار سلبيه من دماغك وحاولي تتكلمي معاه في كل مخاوفك دي بكل صراحه قبل ما يحصل بينكم أي علاقه وأنا متأكده أنه هيفهمك ..

أنهيت الجلسة وخرجت وأنا أشعر بقليل من الراحة ولكن نظرة سريعة لساعتي جعلت معدتي تتقلص بألم رهيب فقد أصبحت الخامسة وموعد مصطفى لأصطحابي لعقد القران هو في السادسة ركضت سريعاً نحو الشارع الرئيسي وأوقفت سيارة أجرة لتقلني لصالون التجميل ،

مؤكد سأجد أمي تلتف حول نفسها ولكني لم أجد سوى مصطفى الذي يقف أمام الصالون بسيارته لينطلق بها ولكن يبدوا أنه رأني !

أطفئ محرك السيارة وتقدم نحوي بعينان محمرتان بالغضب وأنا أرتعد خوفاً منه فهو لم ينظر لي هكذا من قبل !

خرجت من السيارة الأجرة ووقفت أمامه ولكنه لم يتوقف عن الأقتراب مني حتى أمسك بمعصمي وجرني خلفه لسيارته ،

أدخلني من الباب الأمامي وركب في مقعد السائق وأدار السيارة وأنطلق وأنا لم أتفوه بحرف واحد ،

أمسك بهاتفه وضغط زر الأتصال ثم تحدث قائلاً :

- ألما معايا يا خلتو ما تخافيش لا كويسه والله خديها معاكي أهيه

ناولني الهاتف دون النظر نحوي فوجدت أمي تصيح غلى الجانب الأخر لإاجبتها سريعاً :

- ايوم يا ماما أنا كويسه والله بس روحت مشوار وأتأخرت غصب عني هحكيلك بعدين

ثم أنهيت المحادثة ونظرت نحوه وأنا اقول له :

- ماما بتقولي لازم أرجع عشان اجهز الوقت أتأخر

لم يجيبني وأستمر في السير حتى وصل لمكان هادئ نسبياً وأوقف السيارة ثم التفت نحوي وبعيناً جامدة سألني :

- كنتي فين ؟!

حاولت الهرب من الأجابة حتى يمر هذا اليوم :

- ممكن أقولك بعد ما اليوم دا يخلص

صرخ بوجهي وهي يمسك مرفقي بقوة حتى كاد أن ينخلع بيده وهو يقول :

- يتحرق اليوم باللي فيه كنت فيييين ؟!

لم أستطيع تخمين ما يفكر به في هذا الوقت أو سبب صراخه بهذا الشكل ولكني أجبته ببساطة متجاهلة ألم مرفقي الذي يشدد عليه :

- كنت عند الدكتور النفسي بتاعي

وكأنه لا يريد سماع المزيد !

ترك معصمي وأعتدل في مجلسه وأدار السيارة وأنطلق عائداً ،

أوصلني حيث صالون التجميل وامرني بالنزول من السيارة وحين ترجلت انطلق بها وذهب ، دلفت للداخل وتحملت نظرات اللوم من الجميع بالإضافة لوجه أمي الغاضب بشدة واخذتني فتاة الظهيرة مرة أخرى على عجل ،

ارتديت فستاني وانهيت تبرجي وتأخرت ساعة كاملة عن موعدي وأبي وأخي يقفون بالخارج يصيحون بالعاملين وأمي تحاول إرضائهم بالداخل ببعض الأموال حتى لايخبروا أبي ما حدث اليوم ،

رأيت مصطفى عبر الزجاج الداخلي يقف بالخارج وبيده باقة ورد بيضاء تخطف الأنفاس ، حاولت تطبيق كلام الطبيب وان أوقف أفكار السلبية وأحاول الأستمتاع بهذا اليوم الذي لن يتكرر ثانية ،

وجدته ينظر نحوي بدهشة فابتسمت له وأنا أكاد الهث من أنفاسي المتسارعة ،

وجدت أبي أمامي ينظر لي بفخر وعيناه تتغرغران بدموع رفضت أن تسقط وهي يضمني إليه ويتمتم بالحمد والشكر لله ،

أخذ مرفقي بين يديه وخرجت برفقة أبي يسلمني لمصطفى تحت تصفيق الجميع وتهليلهم ،

أمال أبي رأسه ناحية أذن مصطفى وقال له جملة لم أسمعها ولكني سمعت مصطفى يجيبه :

- في عنيه ياعمي

أخذني من يد أبي وركبنا السيارة التي قادها عمر صديقه وأنطلقنا للمسجد لنعقد القران ،

لم يتحدث مصطفى معي ثانية فنظرت نحوه ويدي ما زالت تلتف حول يديه وقلت له :

- أنا أسفه

نطر نحوي بذهول وكأنه لم ينتظر مني أعتذار كهذا ولكنه أجابني :

- أنا كمان أسف

ثم سكت للحظة ألتقط بها أنفاسه ليكمل بعدها

- على كل حاجه يا ألما

ابتسمت له بسعادة فبادلني الأبتسامة بأخرى ولكنها ليست كما تمنيت ،

أعادت حوار الطبيب في عقلي وحاولت الا أفكر كثيراً فيما حدث ،

تأملت وجه مصطفى الجميل وبدلته التي زادته وسامة وشعرت بالسعادة أن حبي الوحيد سيكون زوجي بعد عدة دقائق !

وصلنا للمسجد الذي سيقام به عقد القران ، نزلت من السيارة أضع يدي في يد مصطفى حتى دلفنا للداخل ، وجدنا الشيخ ينتظرنا بالمباركات وجلست بجوار أبي ومصطفى قبالتنا ،

وبدأت مراسم عقد القران ومع كل كلمة تجعل مصطفى ملكي وأنا ملكه يكاد قلبي يقفز فرحاً ،

كانت أمي بجواري تمسك بيدي وجسدها يهتز من السعادة بينما أنا أفعل مثلها وأخيرا تحقق حلمي وسأكون زوجته رسمياً ،

لقد سمع الله ندائي وغفر لي ذنبي !

أنتهى الشيخ وقام الجميع لمباركتي والأحتفاء بي نظرت لمصطفى من خلف والدتي التي تتلقى التهاني هي أيضاً فوجدته يبتسم للجميع ويمازحهم للحظات نسيت كل ماحدث ولكنني أعرف مصطفى أكثر من نفسه لن يظهر سعادته بهذا الشكل ابدا يبدوا أنه عاد لمصطفى الأول !!


شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات:

بنى نعمان حول العالم

سلسلة بنى نعمان حول العالم