" أما عنه فكانت .. النهاية "
كانت ترتدي فستانا أحمر اللون عاري الكتفين يضيق على خصرها ثم يهبط فضفاض مثل الأميرات ليصل حد ركبتيها ، بينما تركت شعرها للرياح تعبث به كما تشاء ، ولكن الرياح لا تعبث بخصلات شعرها البني فقط بل تعبث بمشاعري كطفل صغير يُمسك بلعبته المفضلة فيطيح بها يميناً ويساراً ،
ابتلعت ريقي بصعوبة بالغة وانا أرى بشرتها الناصعة تدغدغ حواسي ، ووقفتها المتوترة تدعوني لأقترب منها ، ألتفت لي سريعا وكأنها سمعت صوت أنفاسي المضطربة ،
وجدتها تبتسم وكأن الشمس تركت مدارها وتجسدت أمامي ، ارتعبتُ من فكرة الاقتراب منها فلو أتبعت غريزتي سأحترق للأبد !
وفي خضم معاركي الداخلية اقتربت هي مني بوجه متورد وشفاه ترتعد خجلا ، توقفت نبضات قلبي وبدأت يدي بالتعرق كما هي عادتها حين أتوتر بشدة ،
صراع أبدي بين الرغبة القاتلة والمقاومة حد التمزق !
جحظت عيناي حين توقفت أمامي وعيناها تتحول للأسود القاتم وتنظر نحو بغضب وهي تُمسك شفرة حادة بيدها ،
لم أستطيع الرجوع للخلف ولا خطوة واحدة، لقد شُل جسدي بالكامل وما عدت أتحكم به ،
ظلت تقترب حتى رفعت يدها وهي تصك أسنانها بغيظ شديد وتغرز الشفرة بقلبي !
استيقظت ألهث بشدة على يد عمر صديقي وهو يهزني وقد تملك الذعر منه ، أنفاسي بدأت تعود لطبيعتها ولكن النصل ما زال يتوسط قلبي فجعلني لم أستطع حتى التأوه ،
سقاني بعضاً من الماء وتركني وقد مَل من سؤالي كل ليلة عما يحدث معي ،
جلست أتفكر بأمري وأنا احاول الحد من لهاثي الذي مازال مرتفعاً بشكل مبالغ ، منذ شهر كامل وهذه الرؤية لا تفارقني ، نعم أشعر انها تريد قتلي على تجاهلي وبُعدي عنها ولكن لست خائفا مما سيحدث ألما قتلتني مسبقاً ومنذ سنوات عندما رأيتها...
تأففتُ بصوتٍ مرتفع وأنا أنتفض واقفا أركل فراشي الخشبي بقدمي حتى كاد كاحلي أن ينكسر من العنف ،
فتح عمر باب غرفتي بعنفٍ شديد وصرخ بي ولأول مرة قائلا ،
- لو ناوي تفضل كدا لحد ما تموت نفسك برحتك بس مش وانا معاك ، أنا حجزتلك عند دكتور نفسي بكره الضهر ولو هربت زي عادتك اعتبرني مت يا مصطفى ،
ثم صك الباب خلفه ولم أراه ثانية حتى ظهيرة اليوم التالي ، لم أستطع الهروب وخصوصا بعدما اتجهتُ لتناول المخدرات علها تنسيني ما فعلته بها وما فعلته هي بي!!
ارتديت ملابسي بآلية ونظرت لانعكاسي في المرآة بحزناٍ شديد وكأنني انظر لشخص أخر يشبهني ،
خسرت بضعة كلغ من وزني بالإضافة لشحوب وجهي واحمرار حدقتي الزائد بسبب تعاطي للمواد المخدرة ،
سبقني عمر وتبعته للسيارة وانطلقنا نحو الطبيب النفسي ،
عيادته تبعث على الاختناق ، ولكني تحملت الأمر حتى أعود كما كنت فلقد بدأت أصل لحد الإدمان وهذا لا يريحني أبداً ،
جلسنا قليلاً حتى جاء موعدنا في خلال نص الساعة ،
وطوال هذه الدقائق الثلاثون لم ينظر عمر لي ولم يحدثني بكلمة واحدة بل ظل على جلسته يمسك بهاتفة يتجاهلني تماما ، ابتسمت بخفة فصديقي يعاقبني هو الأخر وكأن عقابي لنفسي لا يكفيني ،
دلفت للداخل حين استدعتني المساعدة فوجدت رجلا ناهز الخمسين يرتدي حلة بيضاء غريبة الشكل ويضع عوينات عصرية لا تليق بسنه ولا مكانته ، وقف يحييني بيده وبابتسامة حمقاء ترتسم على شفتيه دعاني للجلوس ،
جلست على مقعد أمامه ولم انطق بحرف حتى باغتني بالقول ،
- بقالك قد أيه بتتعاطى مخدرات
تعجبت لسؤاله للحظة وظننت أن صديقي أخبره ولكنه اكمل سريعا ،
- ما تستغربش شكلك واضح
تنحنحت بحرج واجابته ،
- بقالي شهر تقريبا
قام من مقعده يقف خلفي فالتفت انظر إليه لأرى ماذا يفعل فوجدته يضع يده على كتفي قائلا ،
- خليك مرتاح انا هعملنا حاجه نشربها واحنا بندردش كدا
مددت شفتاي ورفعت حاجبي بتعجب وانا التفت لأراه يقف قرب مكينة من القهوة ليصنع كوبين كبيرين منها وهو يقول ،
- معلش بقى ما بحبش القهوة إلا من إيدي
ثم التفت نحوي بضحكة محببة قائلا ،
- هتعجبك صدقني كل اللي بيشربوها من إيدي ما بيفوتوش ولا جلسة
حمل الفنجانين بيده وقدم لي إحداهما وهو يسألني بثقة تامة ،
- قولتي بقى إيه اللي حصلك خلاك تمشي في السكة دي ؟!
وضعت الفنجان امامي على المكتب وانا اجيبه بمراوغة ،
- مين قال ان في حاجه حصلتلي ؟! هو كل اللي بيشرب مخدرات بيشرب عشان في حاجه حصلتله!
ابتسم لي وهو يضع عويناته امامه ،
- المخدرات يا ابني ديما بتبقى هروب ، سكة الانسان الجبان اللي مش قادر يواجه مشاكله
لقد استفزني أعترف بذلك ، فأنا حقا لا استطيع مواجهة ما فعلته ، ارتشفت من فنجاني بنهم فقد دغدغت رائحة القهوة حواسي ، وللمفاجأة مذاقها اكثر من رائع ،
ظهرت ابتسامة رضا على وجهي فضحك الطبيب بتفاخر قائلا ،
- مش قولتلك مش هتدوق ابدا زي قهوتي
لقد تمكن مني هذا الرجل الخمسيني ، فوجدت نفسي استسلم له وكانه يمثل أبي ، قصصت عليه كل ما حدث ، توقعت في البداية أن الجلسة له وقت وستنتهي ولكنه تركتني أتكلم بكل إسهاب وراحة ، لم يقاطعني ولا مرة وهذا ما جعلني اقدره بشدة ،
أنهيت قصتي ووصفت له عذابي وتمزقي وكل ما يجول بخاطري ، اخبرته عن كوابيسي وقتلها لي بغضب وكأنها بريئة وانا الذئب الذي أعتدى عليها ،
تحدثت عن آلمي وصدمتي وكسر رجولتي على يد فتاة كانت تمتلك قلبي وهي الأن سجانتي التي لا استطيع الهروب منها!!
انتهيت وانا أُلحق أنفاسي التي تركض بداخل صدري ، قام الطبيب واتاني بفنجان قهوة أخر وكأنه سمع ندائي ،
انتظرته للحظات فوجدته يطوي ورقة بيضاء ثم امسك بقلمه وظل يخططها بتأني خطوطا طولية وعرضية بشكل مستقيم ومرتب ،
ثم فجأة بدأ يصنع دوائر عشوائية بسرعة بالغة حتى تلطخت الورقة وضاعت معالمها ،
وهنا رفعها فجأة ومزقها لنصفين متوازيين ، وضع الأجزاء الممزقة بجوار بعضهما البعض ثم نظر نحوي قائلا ،
- هو دا اللي انت عملته في نفسك وفي بنت خالتك
لم افهم مقصده في البداية ولكنه أصر أن انظر نحو الورقة بعمق ولعدة دقائق ،
مع تركيزي التام تبينت الوضع ووضحت الرؤية ، أنا من حطمت كل شيء
في لحظة لم استطع إلى الأن أن اصفها بوصف صحيح ،
نصحني الطبيب أن أستعين بمن حولي ممن احبهم حتى أستطيع المُضي قدما ، يجب ان اعترف بذنوبي جميعها من بدايتها لنهايتها وحين أصل للحظة الحقيقة سيكون طريقي واضحا مثل الشمس الساطعة ،
خرجت وأنا على طريق البداية ، وحين أتحدث عن البداية فعلى أن اتوجه لعائلتي ،
عدت لبيتي بعدما شكرت صديقي على محاولاته لمساعدتي في خلال الشهر المنصرم ، وحضنته بامتنان لأنه لم يمل مني بل ظل يحاول محاولات مستميتة رغم صد له وانغلاقي عنه طول هذه الأيام ،
شهقت والدتي حين رأتني بهذا الشكل المذري ، طمأنتها قدر ما استطعت وتركتها متوجها لغرفتي التي لم يغيرها احدهم منذ قررت العيش في شقة بمفردي ،
وجدت شقيقتي تقف على باب غرفتها ترمقني بهذه النظرة القاتلة ، خوفاً نابع من عينيها يخالطه شعور غريب بالغضب وما لفت نظري صعود صدرها وهبوطه بأنفاس عالية ومتتالية ،
فتحت باب الغرفة لأدلف للداخل تاركاً إياها تقف خلفي ، كدت أن أغلق الباب ولكني وجدتها تقف حائلاً بيني وبين الباب ،
دخلت خطوة واحدة حتى وقفت أمامي وأغلقت الباب خلفها ،
حاولت التماسك وأنا اسالها عما تريد فوجدتها تقاوم دموع ظهر البعض منها رغماً عنها واضحا جلياً ،
وفي لحظة وجدتها تزيح دموعها بحدة بالغة وتسحبني لأحضانها ، لم تنطق بحرف واحد واتضح ان هذا بالضبط ما احتجته خلال أيامي العصيبة ،
لا أدري تحديدا كم مكثنا هكذا ، ابتعدت عني برفق ثم قبلتني في وجنتي وهي تهمس لي ،
- انا في أوضتي لو احتجت اي حاجه ناديني
ثم خرجت واغلق الباب خلفها ، وقتها فقط شعرت أنني أكثر رجلاً محظوظاً في هذا العالم ، رغم جفائي معها طوال السنوات الماضية ونعتها دائما بالمدللة ومقاطعتي لوالدي بسبب تدليلهم لها المتزايد وكأنها بهذا الدلال ستصبح ألما الثانية ،
حملتها ذنب لا يعنيها حتى بعدما تزوجت مثل اي فتاة عفيفيه تنتمي لعائلة محترمة لم أستطع العودة عن دور الاخ الصارم ذو المشاعر الجافة ،
لم أقاوم أصرار قلبي الشديد لمجالستها ، خرجت من غرفتي وطرقت باب غرفتها فسمعت ركضها السريع لتفتح لي ،
ابتسمت على هذه الفتاة التي مهما كبرت فهي طفلة بعيني ولكن ما فعلته معي الأن لن يصف شعوري وندمي عن ابتعادي عنها طوال سنوات وحرماني من هذا الحنان الذي يغذي كل خلية بداخلي ،
جلست على فراشها وجلست هي تتربع أمامي بابتسامتها الطفولية ، قررت أن أواجه قذارتي أمام شقيقتي التي تعتبرني طوال حياتها قداوتها ،
قصصت لها كل ما حدث وأنا اراقب ردة فعلها التي تتغير كل لحظة ، حتى وصلت لنهاية القصة فشهقت وهي تضع يدها على فمها ودموعها بدأت في التساقط بألم وهي تتسأل ،
- قدرت تعمل كدا فيها أزاي دي دمك يا مصطفى
أحنيت رأسي بخجل ولكني تمسكت بعذري الواهي قائلا ،
- ما تزعليش عليها كدا بنت خالتك متعوده
كادت أن تصفعني لقد شعرت بذلك ولكنها قبضت على كفها وصكت أسنانها بغيظ ،
- أزاي تقول كدا أنت أتجننت!!
تأففت بغضب وقررت أن احكي لها عن ما سجنته بداخل صدري طوال أعوام لم احدث به نفسي خشية من أن اندفع في لحظة غضب وأقتلها ،
- من حوالي خمس سنين قررت أصارح ألما بحبي ليها وأطلب منها تستناني أخلص أخر سنة في الجامعة وهقول لماما وبابا ونتجوز ،
توقفت وأنا أُخرج الحروف بقوة شديدة ، فشجعتني لأكمل ،
- كنت سعيد جدا بقراري وخصوصا أني سمعت من ماما ان العرسان بدأت تطلبها كتير خصوصا بعد ما كبرت وأحلوت بالشكل دا ،
قررت أعملها مفاجأة وأستناها عند باب جامعتها ، بس بعد ما سألت قالوا أن في لسه محاضرة شغالة قدمها نص ساعة ،
قولت أدخل ألف كدا وأقعد على أي كافتيريا لحد ما تنتهي ، وأنا في طريقي لقيت واحد حيوان ،
وقفت بغضب احاول السيطرة على أعصابي التي تنفلت مني كلما تذكرت ما حدث ،
أمسكت مروه بكفي وجعلتني أجلس مرة أخرى وتوترها يتزايد بشكل لا أستطيع تفسيره ولكنني توقعت أن يكون بسبب ما أُخفيه ،
أكملت بشق الأنفس ،
- لقيته ماسك إيدها وبيجرها وراه ، جريت وراهم لقيته واخدها في مكان فاضي بين زرع عند مشاتل كلية زرعة ،
فضلت وراهم وانا ماسك نفسي بالعافية لحد ما وصلوا لحتة فاضيه خالص وأتأكد القذر اللي معاها أن محدش شايفهم ، وقام واخدها في حضنه ونازل فيها....
لم أستطيع أن أُكمل ما رأيته لعدة ثواني ، فسألتني مروه سؤال لم أحاول أن أسأله لنفسي لسنوات ،
- وليه ما روحتش في ساعتها وجهتها وعرفتها أنك شوفتها
أجابتها بغضب يتصاعد داخل قلبي بشكل لم أعد أتحكم به ،
- لو كنت روحت كنت قتلتهم الأتنين
وقفت مروه خلفي تضع يدها على كتفي وهي تقول ،
- أنا عارفه كل الحكاية مش جزء منها زي ما أنت شوفت يا مصطفى
ألتفت نحوها بصدمة كبيرة ولكنها ألجمتني بخبر حطم كل أسواري الباقية ،
- ألما جايلها عريس انهارده وزمانه هناك دلوقتي وأنا متأكدة أنها هتوافق عليه وصدقني وقتها مش هنعرف نداري على الفضيحه وأنت أكتر واحد هتضر ،
روح ألحقها وأما ترجع هقولك الحقيقة اللي غايبه عنك وخلتك تعاقبها عقاب مشين على حاجه معملتهاش ،
لم أنتظر منها الأذن وركضت نحو منزلها بجنون ، لم تكن الفضيحة تعنيني ، ولم أفكر لحظة في كرهها الشديد لي ، حتى لو ما أخبرتني مروه به صحيحا وأن هناك وجها أخر للقصة لن أسامحها على ما فعلته معي أبداً وقبلها لن اسامح نفسي ،
وعليه لن تكون ألما ملكً لأحد غيري ، فهذا قدري وعقابي الذي أستحقه أنا وهي!!

ليست هناك تعليقات: