الدرجة الرابعة ...
الوَجد :
" ويعني دوام التفكير في المحبوب، وانشغال النفس به، والحزن لفراقه "
" في الحب هي مدافعة "
نظرات مصطفى نحوي ازدادت حدة حين سألني أبي بقليل من الحنق ،
- عاوزه تقولي إيه ؟!
اهتزاز هاتفي في يدي جعلني أنظر إليه بتعجب ، يبدوا أنه من توتري لم أٌدرك أني أخذته من غرفتي ،
ظللت أدلك الهاتف باضطراب ونظراته تكاد تحرقني وهو يرفع إبهامه يحك به ذقنه ويلوح برأسه نحو الهاتف ،
عرفت وقتها أنها رسالة منه ورغم الحاح فضولي الشديد أن أرى نصها ولكني تجاهلته وأخذت نفساً عميقاً وحين فتحت فمي بإسمه رن هاتف المنزل ،
تأففت بضيق حين قام والدي ليجيب وحين مر بجواري قال لي ،
- هشوف مين على التليفون وأجي يكون ربنا كرمك وقولتي اللي انتي عوزاه قبل ما أنفجر فيكي
نظرت نحو الجميع فوجدتهم ينظرون نحوي بقلق طفيف بينما وسط هذه العيون أثنان تنظران بغضب لا أعرف مصدره ،
وفجأة وجدت هذه الممتعضة قامت من مكانها منتفضه وهي تتعرق ثم أمسكت يدي وهي تستأذن الجميع بابتسامة مزيفة ،
أنها تريد محادثتي في أمر هام ،
تعجبت لموقفها وأردت أن أوقفها حتى أنتهي من حديثي ولكن إصرارها جعلني أنقاد خلفها ،
دلفنا لغرفتي وأنا أتسأل بغضب عما تريده ، فقد عانيت حتى أستطيع الوقوف أمامهم ،
تركت مروه يدي بعنف أدهشني وهي تقول ،
- أنتِ كنتِ عاوزه تقوليلهم اللي حصل بينك وبين مصطفى ؟!
غارت عيناي بذهول أفقدني النطق لعدة ثواني حتى عادت علي السؤال بفظاظة أكبر فتمالكت نفسي لأُجيبها ،
- الحقير دا قالك على اللي عمله ،
ضيقت عينيها بشرسة قائلة ،
- قالي على اللي عملتوه أنتوا الأتنين يا ألما
ابتلعتُ ريقي وأنا أشدد قبضتي بعصبية ،
- طبعا هتدافعي عن أخوكِ عشان راجل يعمل اللي يعمله لكن الغلط كله لازم يبقى عليا أنا مش أنا البنت !!
صكت أسنانها بغيظ ممزوج بقليل من الحزن ، نعم شعرت بحزنها علي ..
كم تمنيت أن أرتمي في أحضانها وأقص لها ما حدث وأخبرها عن ندمي ومحاولة تكفير ذنبي لما فعلته ،
ولكني لم أستطع مكابرة مني أو لنقل عناد وتمسك بقليل من كرامتي وكبريائي المهدور ،
تلألأت عيونها بقطرات شفافة وحاولت التماسك قائلة ،
- لو كنتي ناوية تفضحي نفسك أفتكري ستر ربنا ليكي يا ألما وأن ربنا بيغفر الذنوب وبيعافي أصحبها إلا المجاهرين بالمعصية ،
ثم أكملت وهي تضع كفها على كتفي ،
- ربنا سترك مره وأحمدي ربنا أن مصطفى عرف غلطه وجاي يكمل ستر ربنا عليكِ ،
ثم تركتني وأنا على حافة الانهيار وخرجت من الغرفة ، توجهت بخطوات واسعة نحو نافذة غرفتي وفتحتها على أخرها ونظرت نحو السماء وكدت أن أصرخ بصوت يشق حنجرتي ،
- هو دا الستر اللي سترتهولي ولا الجحيم اللي مستنيني معاه ، دلني على الطريق قولي أعمل إيييييييييييه عشان تغفرلي
دارت بي الغرفة وتركت قدماي تهويان على الأرض ومعهم دموعي ، طرقات أمي على باب غرفتي جعلتني أُجيبها وأنا أحاول كتم أنفاسي حتى لا تشعر ببكائي ،
- حاضر يا ماما جايه حالا
جففت دموعي وأنا أستند على حافة فراشي لأستطيع النهوض ، شيئا ما جعلني أمسك هاتفي لأرى رسالته ،
فتحتها بيد مرتعشة وأنا أقرأ محتواها ،
- أنا كسرت فرحتك وأنتِ كسرتي قلبي أرجوكِ ما تكسريش فرحتهم هما ما يستهلوش منا كدا
لأول مرة أتفق معه على شيء بعدما أنسقتُ معه لمضجعه ،
توجهت ناحية الحمام وغسلت وجهي ونظرت نحو انعكاسي في المرأة وحاولت رسم ابتسامة باهته لا معنى لها وخطوت نحوهم أجلس في المقعد الفارغ بجواره ،
سألني أبي عما كنت أريد قوله ، فنظرت نحو معذبي وأنا أقول ،
- كان ليا شرط ،
وهنا تدخلت خالتي قائلة ،
- أنتِ تؤمري وأحنا ننفذ يا ست البنات
فكرت جيدا في شرط يستطيع انقاذي فلم أجد خيرا مما ألهمني به ربي ، أعدت النظر نحوه وأنا أقول ،
- مصطفى يسيبني أشتغل بعد الجواز
تعجب أبي وكذلك أمي فلم أكن يوما من هذا النوع من البنات فأنا مدللة وكسولة لأبعد حد ، ولكني أصريت عندما وجدت وجهه الابيض أصبح باللون الأحمر القاتم ،
حاولت خالتي وزوجها يلطفون الأجواء ويتكلمون عن فوائد عمل المرأة في تحقيق ذاتها وهكذا كلام لم أسمع منه سوى القليل وأنا أفكر لما غضب هكذا من طلب قولته لأخرج من مأزق!!
خلل أصابعه بين خصلات شعره وهو يقول من بين أسنانه ،
- إن شاء الله نبقى نشوف الموضوع دا
رفعت زاوية فمي بابتسامة وأنا أفطن شيئاً أسعدني رغم كل ما حدث ،
" مصطفى لسه بيغير عليا "
رفع الجميع كفوفهم يتلون آيات سورة الفاتحة ببهجة وسعادة جعلت عيني تترقرق بدموع حبيسة خلف قضبان الذنب الذي لن يترك كاهلي مهما حييت ،
انتهوا بينما وقف مصطفى يمد يده بعلبة حمراء مربعة وفتحها ببطيء وهو يخرج منها خاتم رائع الجمال ،
لمعت عيني بفرحة وجدت طريقها لقلبي رغم انفي وآنفه ، امسك بيدي فسرت قشعريرة في جسدي من لمسته الباردة ،
نعم باردةٍ كا الجليد مثل نظراته وتحركاته الآلية وكأنه مكره او مُجبر! بالفعل هو كذالك!
بدأت التهاني والأحضان والتمنيات السعيدة لحياة تملؤها التفاؤل والامل ،
جلس الجميع مرة أخرى يشربون كؤوس الشربات ويمزحون على مواقف مضت وأشياء من الماضي السعيد الذي يجمعنا انا وهو ،
انتهت الجلسة بتحديد موعد الزفاف بعد أشهر قليلة لحين الانتهاء من التجهيزات اللازمة ،
لم أستطع النظر نحو مروه ولا موجهتها بعد حديثنا المخزي ، فأنا بالفعل اشعر بالخزي والحرج الشديد من نظراتها المهينة لي ، حتى وإن لم تقصد أو تعي ذلك ،
كنت انتظر اللحظة التي يأخذني فيها مصطفى لغرفة أخرى ليوجهني ويخبرني لماذا تخلى عني بعدما حدث بيننا ،
ولكنه خذلني لمرة ثانية واستئذان معهم وغادر دون ان يُحدثني ولا حتى بحديث عابر أو تقليدي ،
ابتلعت غُصتي ودلفت لغرفتي أجُر أذيالي بعدما رحلوا ، بدلت ثيابي وجاءتني امي مهللة بفرحة عارمة وسعادة ترتسم وجهها وهي تباركني للمرة الثانية ،
جاريتُها بسعادة مزيفة حتى خرجت ، تمددت على فراشي وأنا أفكر في سيناريوا مختلف ،
هل هذه ستكون ردة فعل أمي لو كنت أخبرتهم ما كنت أنوي ، وبرغم كل شيء يجب أن يأتي يوماً أشكر فيه مروه على ما فعلته معي ،
شعوراً يجتاحني لأبعث له برسالة اسأله لما يتجنبني ، ولكني نفضت الامر من رأسي وانا اجيب نفسي ،
- أكيد بيكرهني طبعا
عضضت شفتي السفلي بغضب شديد ، لم أفكر به الأن ؟!
لماذا لا اترك الامر كما هو وأتقن معه هذا الدور التمثيلي الرائع وننهي هذه المهزلة ؟!
راودني سؤال لم أفكر به من قبل ،
وماذا بعد ؟! نعم ماذا بعد أن نتزوج أنا وهو ؟! سنعيش ونتعايش وكأن شيء لم يحدث ؟! أم سيظل يعاقبني على ما فعلنا ؟؟
هل سأظل زوجته لأعوامٍ كثيرة أم سأتحرر منه بعد مدة من الزواج ؟!
وماذا سيحدث في علاقتنا سننجب أطفالا أم انه لا يريد أولاداً مني ؟!
شعرت برأسي سينفجر من فرط التفكير في أمورا لا يعلمها إلا الله ،
وضعت رأسي على وسادتي وحاولت النوم ولكنه جفاني ،
جلست مرة أخرى وأنا أتنهد بألم وأُمسك هاتفي أعبث به ، فوجدت أخي قد بعث لي صوراً التقطها لنا فيما تسمى حفلة الخطبة ،
فتحت واحدة تلو الاخرى ولم أتمالك دموعي الحارقة وأنا أتخيل كما كانت وجوهنا حزينة تثقلها للهموم والآثام ،
ذهبت بعقلي لسؤال أخير ،
لو لم نفعل ما فعلنا لكنت الآن أسعد فتاة على وجه الأرض!
وصلت لفيديو قصير من صنع أخي ،
يظهر مصطفى في بدايته وهو يُلبسني خاتمه ، تأملت ملامحه الحزينة مما جعلني أكبر الصورة خمسة أضعاف وأنا أنظر لعينيه التي تشبه السماء المحملة بالغيوم فوجدتها تتلألأ بدمعة سقطت ولكنها تداركها سريعا بين إبهامه وهو يسعل ويداري وجهه !
لقد بكى مصطفى وهو يلمس يدي!! لماذا ؟!
أعدت المشهد خمس مرات وأنا في ذهول تام ولا استطيع التحكم في قلبي الهادر ،
اخذت لقطة سريعة للشاشة وبعثت له الصورة على أحد مواقع التواصل وفوقها تعليق ،
- عاوزه أعرف ليه كنت بتبكي ؟!
انتظرت فترة ليست بقصيرة حتى جاءني جوابه ،
- عشان دي كانت أخر مره هلمسك فيها
انقطعت أنفاسي وأغلقت الهاتف وقذفت بها بعيداً عني وأنا أنعي مشاعري وقلبي الذي مات للتو....

ليست هناك تعليقات: