الفصل الثالث...
دخل غرفته فوجده يسبح في النوم العميق، وبجواره هاتفه المغلق منذ البارحة موضوع على الطاولة الصغيرة الملاصقة للفراش،
خطى نحو النافذة ليزيح ستائرها فبدأ ريان يتململ في نومه، ليفتح عيناه بصعوبة وهو يزعق بصديقه :
- أنت بتعمل إيه يا مختل أنت؟
أجابه يونس وهو يرفع سماعة الهاتف الداخلية ليتحدث إلى أنيسة :
- الساعة بقت خمسة يا بيه وحضرتك لسه نايم
دثر ريان نفسه بالغطاء حتى رأسه وهو يقول له :
- أخرج من الأوضة يا يونس وأقفل الستاير دي وخد الباب في إيدك.
أجابت أنيسة على الهاتف الداخلي :
- أيوة يا ريان يا ابني أنت صحيت ؟!
حدثها يونس بحنق من صديقه :
- أنا مش ريان يا ماما أنيسة أنا يونس.
ابتسمت أنيسة مرددة:
- ما شوفتكش وأنت طالع
أجابها وهو ينظر نحو صديقه الذي التف بغطائه :
- لا ما أنا كنت بايت هنا ورجعنا بليل متأخر مارضيناش نقلقك، المهم معلش هتعبك معايا خلي حد يحضرلنا فطار ويجيبه.
أومأت برأسها وهي تشعر أن ريان ليس طبيعيًا اليوم، فهو لم يمكث في سريره لهذا الوقت أبدًا منذ عرفته ولولا أنها لم تكن متفرغة منذ الصباح لكانت صعدت إليه، أجابت يونس :
- حاضر يا ابني، ولما ريان يفوق خليه ينزل أما أشوف ماله.
وضع سماعة الهاتف وانطلق نحو صديقه ليزيح الغطاء عن رأسه قائلًا :
- قوم يا ريان بلاش استهبال.
نظرة غضب شديد يليها صراخ حانق كانت هي نصيبه :
- قولتلك سيبني يا يونس و اخرج برة.
جلس يونس على طرف الفراش وهو ينظر له ببرود تام :
- مش هخرج، وقوم كلمني زي ما بكلمك.
تأفف ريان بضيق وهو يعتدل جالسًا :
- أكلمك في إيه بالظبط ؟!
نظر له يتفحص عينيه بتركيز ليحاول الوصول لدواخله :
- هتعمل إيه مع ياسمين بعد ما لقيتها ؟!
رؤيتها بثوبها الأبيض البارحة جعلته يذكر عندما رآها أول مرة كانت ترتدي أيضًا ثوبا أبيضا فضفاضا يختال مع الرياح وهي تتقدم نحو الممشى الذي يتوسط البحر ومنها للقارب الصغير، نظراتها زائغة وجسدها يهتز مع كل خطوة، شعوره تجاهها بشيء مريب جعله يقرر في اللحظة الأخيرة قبل تحرك القارب أن يلحق به ركضًا،
توقف أمام الغواص الرئيسي ليراه يبتسم نحوه قائلًا :
- معقول .. حضرتك ريان تاج الدين ؟!
أومأ برأسه وعيناه لا تفارقان التي تجلس على المقعد الخشبي وجهها نحو المياه، ليُحدث الرجل وهو مازال يتطلع نحوها :
- هو ينفع أطلع معاكم ؟!
تردد الرجل قليلًا وهو يقول :
- هو ما ينفعش حضرتك تستنى الفوج اللي بعد دا على طول
ثم صمت لبرهة ..ليُكمل :
- أصل إحنا المفروض نطلع حالاً.
كان سيتراجع عن هذه الفكرة الحمقاء، فهو على أي حال ليس من هواة الغطس تحت الماء، ولكنه وقبل أن يترك القارب ألقى عليها نظرة أخرى فوجدها تُمسك كلتا كفيها بتوتر بالغ وتهز قدميها بسرعة فائقة،
حاول أن يبرر فعلتها أن هذه هي المرة الأولى لها في مجال الغطس ولذلك هي خائفة، ولكن قلبه لم يطمئن لهذا التفسير، ورؤية أخته الشقيقة وهي تقع وسط الحفل بعدما لاحظ عليها نفس التوتر لا تفارق خياله، فهو إلى الآن لا ينفك عن لوم نفسه لو صدق حدسه للحظة وترك الحفل اللعين وذهب بأخته للطبيب لكانت معه الآن، ولما تجرع مرارة فقدها هي الأخرى كل يوم وليلة، فهو لن يتحمل ذنب شخص آخر يعيش به، وسيظل مشغول البال بهذه الفتاة..
حسم أمره وقرر أن يقطع الشك باليقين و أجاب الرجل :
- أنا نزلتdiving كتير قبل كدا، ما تقلقش مش هحتاج مجهود
لم يستطيع الرجل الرفض وطلب من آخر أن يناوله بذلة خاصة بالغطس مع أنبوب أكسجين وأدوات تخص شخص واحد،
جلس ريان على مقربة منها يراقب توترها المتزايد بين الفينة والأخرى ليُقسم هو أن هذه الفتاة ستُقدم على فعل أحمق،
حتى وصل القارب موقع في وسط البحر ليطلب الغواص من الجميع ارتداء البدلات الخاصة بكلًا منهم،
راقب ريان حركتها البطيئة وهي تهبط للأسفل إلى غرفة تبديل الملابس،
ارتدى هو بدلته في الغرفة الخاصة بالرجال وانطلق الجميع للأعلى ليبحث هو بعينه عنها حتى وجدها،
وقف المسئول عن المجموعة يردد التعليمات الخاصة بالأمان، وبعد العبارات المطمئنة للمستجدين، وضع نظارته الخاصة على عينيه و أنبوب الأكسجين بين شفتيه، ليتطلع ريان نحوها فوجدها تنظر حولها بريبة وهي تضع أدوات الغطس بيد مرتعشة، لتكون أول من قفزت في البحر بعد الغواص المسئول عنهم،
قفز ريان خلفها ليجدها اتخذت طريقًا آخر عن الذي أشار لهم به الغواص،
ظل يتبعها حتى وجدها تنزل للأسفل في منطقة لا يجب عليهم الدخول إليها وكأنها تعرف تمامًا ما الذي تفعله،
استمر خلفها إلى أن وجدها تقف فجأة وتنزع أنبوب الأكسجين من على فمها وتلقي به بعيدًا بينما تفرد كلتا ذراعيها وترحب بدخول المياه لرئتيها دون مقاومة بسيطة حتى !
لحظات وقف بها مذهول مما تفعله وقد صدق حدسه للمرة التي فقط عدها، لينطلق نحوها بأقصى سرعة ممكنة حين بدأ الماء يدخل لجسدها ليثقله ويسحبه للأسفل،
حملها بين ذراعيه وحاول وضع أنبوب الأكسجين الخاص به على فمها ولكنها لفظته، وبمحاولة باهتة ضعيفة حاولت مقاومته ليتركها ولكنه أحاطها بكلتا ذراعيه ليصعد على عجل للأعلى سابحًا بأقصى سرعة نحو القارب، ليرتخي جسدها بين يديه مما جعل قلبه يهوى رُعبًا أن تكون فارقت الحياة ولم يلحق بها !
رفع يده بقوة ليحركها بعلامة الإنقاذ وهو ينظر نحو الرجل الذي لا يترك القارب حتى يصعد الجميع، لينتفض الرجل بذعر قاذفًا نحوه بالون أصفر اللون يستخدموه لإنقاذ الغرقى، ليتمسك به ريان بصعوبة من ثقل المعدات التي يرتديها، جره الرجل بالحبل الموصول بعمود حديدي صغير حتى وصل لحافة القارب ليحمل الرجل ياسمين وهو يتساءل :
- إيه اللي حصل لها؟ وفين أنبوبة الأكسجين الخاصة بيها ؟!
صعد ريان وهو يخلع عنه المعدات ويقذفها بعيد، ليتجاهل سؤال الرجل ويجلس على ركبتيه ينظر نحو وجه ياسمين الذي أصبح باللون الأزرق،
لحظات مرت من الإسعافات الأولية التي يتخللها عدة قُبلات ليستخرج من رئتيها المياه التي ابتلعتها حتى شهقت بالعودة للحياة عند آخر قبلة كان يردد بها :
- أرجوكِ ما تموتيش …
أفاق على هزة ثقيلة من يونس وهو يعض شفتيه ليردد صديقه بحنق :
- أنت يا ابني هو أنا كل ما أكلمك تسرح بالساعة.
أجابه وهو يزيح الغطاء من على قدميه وينزل من فراشه :
- أنت متخيل أني هعمل إيه يعني مع ست متجوزة؟!
ضيق يونس عينيه وقام يتبعه ليُمسك مرفقه يديره نحوه قائلُا :
- ريان تاج الدين هيستسلم بسهولة كدا.
نفض ذراعه من بين يده وبنظرات زائغة أجابه :
- لا طبعا.. هروح أخطفها من جوزها
أطلق يونس ضحكة عالية وهو يردد :
- تصدق ما جتش على بالي الفكرة دي خالص... أنا بتكلم بجد يا ريان..
تركه ريان ودلف نحو دورة المياه و أغلق الباب خلفه ليقف يونس وبصوت مرتفع حتى يسمعه هو بالداخل :
- أنت بقالك سنة بتدور عليها وكل اللي كان طالع عليك " أعرف بس هي عايشة وبخير ولا لا عشان أرتاح "، و أديك إمبارح لقيتها و للأسف كان فرحها بس طلعت بخير ومامتش فنعقل بقى وكأنها ما مرتش على حياتك قبل كدا، ويا سيدي اللي خلقها خلق مليون غيرها.
فتح ريان صنبور المياه ليضع جسده تحته وهو يُغمض عينيه ليتلاشى صوت يونس عندما وصل لأذنه صوتها وهي تقول له :
- أنا أسيبك إزاي.. أنا ما صدقت لقيتك، أنا رجعت للحياة بيك ومعاك يا ريان.
فتح عينيه بنظرة تكاد تلتهم المكان بأكمله وهو يردد :
- وأكيد أنتِ عارفة أن حياتك ملكي يا ياسمين ومش هتعشيها إلا معايا...
*********************
أخرجت هاتفها من حقيبتها وهي تجيب هشام الذي كان يُحدثها من داخل الحمام أن تهاتف مطعمها المفضل لأن قائمة الطعام الخاصة بالفندق لا تعجبها على الإطلاق:
- ااه لقيت التليفون في شنطتي، الحمد لله أن حلا افتكرت تحطه، أطلبلك على زوقي؟!
أجابها بمزاج رائق وهو يستمتع بشلال المياه الذي ينساب على رأسه :
- ياريت.
التزمت هي الصمت بعدما فتحت الهاتف ووجدت رسالته المسجلة على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي :
" ازاي اتجرأتي وقولتيله أنك بتحبيه، وقبلتي بكل سعادة أنه يلمسك بعد كل اللي حصل بينا، والله لاهتندمي يا ياسمين على اللي عملتيه وصدقيني هاخدك منه بأبشع طريقة ممكنة ومش هعمل إعتبار لأي حاجه ولا حتى لأنه اخويا "
نبضات قلبها تسارعت بجنون حتى أنها فقدت النطق وهي تستمع لصوته وكلماته الذي يهددها بها وانه سيُحطم عالمها التي بدأت للتو أن تعيشه ،
عندما سمعت صوت باب الحمام يُفتح ،
ضغطت زر الحذف مع إجراء بسيط للحظر حتى لا يراسلها ثانية ، ثم بيد مرتعشة بحثت عن رقم المطعم الذي تريده ، لتعيد الاتصال به أمام هشام الذي يقف الآن أمامها قائلًا وعلامات التعجب ترتسم على وجهه :
- أنا سمعت صوت سليم من جوه، هو جه هنا ولا إيه؟!
أنقذها الرجل الذي أجاب على الهاتف، لترفع كتفيها أمام هشام بدهشة من سؤاله ثم أملت طلبها المفضل بصوت يرتعد للرجل الذي يحدثها من الجهة الأخرى،
لتتلعثم في الحديث وتبدأ في طلب أشياء أخرى ليصحح لها الرجل طلبها وبعد مدة ليست بقصيرة أغلقت الهاتف وهو تتوجه ناحية هشام الذي يصفف شعره أمام المرآة قائلة :
- ما فهمتش سؤالك، إيه اللي هايجيب أخوك هنا؟!
نظر نحوها عبر المرآة لتتطلع هي لعينيه بتركيز فوجدته يقول لها بعدم مبالاة:
- مش عارف.. اتخيلت أني سمعت صوته.
انتهى من تصفيف شعره ليلتفت نحوها يلف ذراعيه حول خصرها، ثم قرب وجهه منها وبصوته الأجش الذي يؤثر بها دومًا قال لها :
- هو أنتي بتقومي من النوم قمر كدا عادي !
ابتسمت نحوه بخجل رغم توترها الشديد لرسالة أخيه، ليهمس لها بجوار أذنها :
- هو الأكل هيتأخر أخد تصبيرة دلوقتي؟!
****************
يفرد جسده على الفراش بينما قدماه متدليان أسفل الفراش يقتربان من الأرض، بينما هو يسرح في عالم الأحلام،
تأملت وسيلة وجهه البائس وجسده المنهك من أثر الشراب الذي ولأول مرة تراه يعود بهذه الهيئة المزرية،
لو علم والداه بالأمر مؤكد ستُصبح كارثة،
لا تعلم تحديدًا ما الذي أصاب زوجها منذ عودتهم من السفر، لم يكن أبدًا هكذا؟! سليم العطوف معها والحنون مع الجميع، ذو الروح المرحة والشخصية الجذابة التي افتقدتها منذ عودتهم ليحل محلها، سليم الغاضب والبغيض ذو اللسان السليط.
وضعت يدها على بطنها تتحسس جنينها تلقائيًا وهي تردد :
- نفس أعرف إيه اللي حصلك يا سليم؟!
لمحت هاتفه في جيبه فانحنت تأخذه لتضعه فوق المنضدة لتنحني ثانية تحمل قدميه بين يديها لتضبط جسده المتدلي وتدثره بالغطاء لينام نومة مريحة، وحين يستيقظ يجب أن تعرف منه ما الذي يحدث معه،
شعرت بالنعاس يداهم عينيها ليقع نظرها على هاتفة الذي ألقته منذ قليل أعلى المنضدة، ليحثها عقلها عن فتح هاتفه والبحث عن أي إجابة لسؤالها،
وعلى الفور خطت نحو الهاتف لتُمسك به وتفتح شاشته وهي تجلس على المقعد خلفها لتتفاجأ أن هاتفه لا ينفتح سوى ببصمة يده،
لم يفعلها من قبل ودومًا كان هاتفه دون حماية، لماذا يضع حماية الآن؟!
ما الذي يُخفيه داخل هاتفه يا تُرى؟!
خطت على أصابع قدميها وبخفة شديدة أمسكت بكفه لتجرب أصابعه على الشاشة حتى انفتح الهاتف أمامها،
تركت يده بهدوء دون أن يشعر بشيء على الإطلاق، فهو غارق في النوم حد الإغماء،
تحركت من جواره لتجلس على المقعد الموجود قرب النافذة لتبدأ بتفحص مواقع التواصل الخاصة به حتى عثرت على رسالته،
أعادت النظر للصورة المرفقة بالرقم لتجدها زوجة أخيه المصون، التي لم تمر إلا ليلة على زواجها؟!
شعرت بالدماء ترتفع لرأسها وهي تُعيد سماع الرسالة المسجلة مرة أخرى،
لتغلق الهاتف ثانية حين سمعت همهمات تأتي من عنده،
تحركت نحوه لتسمعه يلفظ اسمها من بين شفتيه وهو يتقلب على الفراش، تملك الغضب منها وكادت أن تصفعه في نومه أو تُلقي بالهاتف على وجهه كي يحطمه ولكنها كظمت غيظها، ووضعت الهاتف بجواره على المنضدة وعادت لتجلس على المقعد ثانية وهي تفكر ما الذي يجب عليها فعله في هذه الكارثة، وما الذي حدث بينه وبين هذه الفتاة البغيضة ليهددها به !
**********************
يجلس في غرفته القديمة التي في منزل والده القديم القاطن في أحد المناطق الشعبية،
يتسلل إلي منزله القديم كلما ضاق الحال به وأراد الاختفاء عن أعين الجميع،
ترك صديقه بحجة انه سيخرج قليلًا ويعود، وترك أنيسته وملاذه الأخير دون التفوه بكلمة، فهي على كل حال عندما تتطلع لعينيه تفهم رغبته في الانفراد بنفسه،
أغلق هاتفه وقام ليضعه في درج مكتبه وهو يتذكر طفولته السعيدة ويبتسم وهو يتأمله، هذه الدرج الذي كان يتشاجر مع أخته لأنها تضع به أشيائها الخاصة لعدم امتلاكهم المال الذي يستطيعون به الإتيان بمكتب خاص بها،
ما زال يسمع صوتها الطفولي في أذنه وهي تقول له :
- سيب حاجتي يا ريان.. والله هزعل منك.
بينما هو يضعها في كرتونة ورقية صغيره فوق مكتبه قائلًا :
- حطي حاجتك هنا، مالكيش دعوة بدرجي
لتزعق بهم والدته :
- هو كل يوم الموال دا يا ولاد ..
تنهد بعمق حنينه لعائلته التي افتقدها بشدة، كم كان يحتاج مشورة والده الحبيب في كثير من الأشياء، كم يتعذب من فراق حضن والدته التي كان يعشقها، ليتذكر وجه أخته الوحيدة والتي عوضته عن والديه حين رحلا باحتوائها وحنانها، صغيرته التي كان يعتقد أنه سندها الوحيد ليكتشف بعد رحيلها أن عالمه هُدم فوق رأسه،
عيناه توقفت عند الصندوق الورقي الصغير الذي وضع به هاتفها منذ وفاتها، عندما جاء إلى هنا للمرة الأخيرة،
رفع يده المرتعشة ليخرج الهاتف من الصندوق وينظر نحوه بدموع حبيسة وهو يتخيل انه أخر الأشياء التي لمستها بيدها،
حمله برفق وهو يتحسسه بإبهامه ويخطوا نحو فراشه،
دقائق مرت وهو يستند بظهر على الحائط خلفه ويُمسك بالهاتف يتأمله جيدٍا قبل أن يقوم بفتحه، ليراها.
تسارعت نبضات قلبه فهو ليس من هذا النوع، بعدما توفت أمه و أبيه ومن بعدهم أخته الوحيدة، حذف كل صورهم معه وكل ما يخصهم على هاتفه وبيته، ووضع كل شيء هنا، هنا فقط حياته القديمة ومعها من رحلوا،
هم محفورين في ذاكرته لا يفارقون عقله، لا يفارقون قلبه، لم ينس يومًا ملامحهم ولا أصواتهم ولا حتى همساتهم، أخفى كل شيء عن عالمه الحقيقي ولكنهم يسكنون عالمه الخاص، كلما شعر بالحنين إليهم اختلى بهم هنا، حيث ولد وعاش طفولته وجزء كبير من شبابه،
انفتحت شاشة هاتفها لتظهر صورتها على خلفية الشاشة، لم يستطع تمالك دموعه وهو يتحسس وجهها بسبابته، كما اشتاق إليها وكم يحتاج إليها، بدأ يردد دون وعي :
- سبيتني أنتِ كمان لييه يا وَجْد
فتح الأستديو الخاص بها ليرى صوره الكثيرة تحتل هاتفها،
يليها صورهما معًا،
لحظات حتى اتصل الهاتف بالشبكة العنكبوتية ليتلقى العديد من الرسائل على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها،
تشوشت رؤيته من آثار الدموع التي تملأ عينيه، ليلتفت نظره صورة و اسم لشخص لا يعرفه،
جفف دموعه وفتح الرسالة ليضم حاجبيه وهو يقرأها :
- أتمنى نفضل أصدقاء يا وَجْد وما فيش بينا غير كل خير ..
نظر لتاريخ الرسالة فوجدها في نفس اليوم المشؤوم التي توفت به أخته،
صعد للأعلى قليلًا فلم يجد سوى هذه الرسالة، لم يجد تفسيرًا منطقيًا لهذا الكلام سوى أن أخته كانت تعرف هذا الشخص جيدًا،
فلماذا رقمه غير مسجل في هاتفها، هناك خطبًا ما جعله يجوب رسائلها جميعها حتى عثر على صديقتها المفضلة،
فتح رسائلهم بيد مرتعشة ليجد رسائل كثيرة من صديقتها تقطع نياط قلبه عن فراقها عنها، ولماذا تركتها هكذا وحيدة لتبدأ دموعه بالهطول ثانية، حتى توقف عند رسالة أخته الأخيرة التي تقول لها فيها :
- وأخيرًا يا ندى وعدني أنه هيجي الحفلة انهاردة وهاعرفه على ريان
يليها كثيرًا من الملصقات السعيدة من الطرفين.
لتسألها صديقتها :
- أنا مبسوطة قووى وأخيرًا يا حبيبتي ربنا يوفقكم يارب وأشوفك أجمل عروسه عن قريب..
لم يتردد للحظة في ضغط الاتصال على رقم صديقتها التي إجابة بقلب هادر وجسد مرتعد وصوت يكاد يخرج بصعوبة :
- مييين
تنحنح ريان ليجلي صوته وهو يحدثها دون إخفاء البكاء في صوته :
- أنا ريان يا ندى.
تنفست الفتاة على الجانب الأخر لتردد بتعجب :
- أهلا بيك.. خير في حاجة.
تردد قليلًا قبل أن يسألها :
- أنا فتحت تليفون وَجْد دلوقتي ولقيت رسالة منها ليكي بتقولك فيها أنها هاتعرفني على واحد يوم وفاتها، ممكن أعرف هو مين؟
ابتلعت ندى ريقها بصعوبة وهي تقول له :
- اعتقد دا كان سر بيني وبين صحبتي يا ريان، واعتقد برده أنها قابلت ربنا والسر أدفن معها، أرجوك بلاش تصعب الأمور عليا هو راح لحاله خلاص.
عض شفتيه بغيظ حتى كاد أن يدميها وهو يحدثها :
- تمام يا ندى وجهة نظرك وصلتني، بس أنا سألت لأني لقيت رسالة على الواتس آب من شخص غريب بيقولها أنه يتمنى أنهم يفضلوا أصدقاء وما فيش بينهم غير كل خير، والرسالة دي كانت يوم وفاتها بالظبط قبل الحفلة بساعة تقريبًا،
توقف تنفس الفتاة ليُكمل هو :
- بصي على الواتس بتاعك أنا بعتلك اسكرين قوليلي بس هو دا الشخص ولا لا، أرجوك يا ندى لو هو دا يبقى في جزء مفقود و أختى مامتتش بأزمة قلبية أختي ماتت على إيد الكلب دا، دا لو اللي فهمته صح.
ساد صمتها للحظات وهي تتأمل الصورة أمامها وعيناها تذرفان الدموع على صديقتها الرقيقة ذات القلب الضعيف، الذي لم يتحمل هجر هذا الحقير ليتوقف من الحزن على فراق رجلًا كان يمثل لها الحياة بأكملها، بعدما انشغل أخيها بعمله عنها لأيام تعدت لشهور واقتربت لثلاث سنوات في انشغال دائم،
أخرجها ريان من صمتها برجاء حتى إجابته وهي تمسح دموعها بقوة وغضب:
- أيوة هو، وهو السبب في اللي حصلها.
تصاعدت الدماء لرأسه بسرعة فائقة جعلت الدنيا تنقلب للسواد في عينيه، ليحاول تمالك نفسه وهو يقول لها :
- ينفع نتقابل دلوقتي وتقوليلي على الحكاية كلها.
لم تتردد للحظة بالموافقة فهي الآن لا ترغب سوى برؤية هذا الحقير تحت يد ريان.
أنهى المحادثة وبضغطة زر أتى برقمه صعودًا لرؤية وجهه كي يحفظه عن ظهر قلب فهذه المرة الأخيرة التي سيرى صورته فيها وهو قطعة واحدة،
حاول بقدر الإمكان تكبير الصورة ليرى ملامح وجهه التي صعقته حين رآها، ليقع الهاتف من يده وهو يتذكر وجهه البارحة بجوارها.
**************

ليست هناك تعليقات: