الفصل الرابع عشر
بعد مرور شهر...
جالسٌ على مكتبه تفترش الأوراق سطحها و أمامه يجلس محاميه الخاص ورئيس قسم الشؤون القانونية لمجموعة "السنجيدي"
يرتدي عويناته الخاصة وهو يدقق النظر معقود الحاجبين يتأفف بعدم رضا مرددًا:
- يا محمود بيه للمرة الأخيرة بقولك اللي بتعمله دا غلط ومجازفة كبيرة..
أجابه وهو ينظر لشاشة هاتفه بابتسامة حالمة ضاغطًا زر الإرسال:
- أنا عارف أنا بعمل إيه يا متر، خلص بس أنت الاجراءات وسيب الأوراق على امضاتها..
جاءه صوت رسالة نصية ليقرأها وهو يتنهد بعشق بينما السيد بكر يزفر بضيق قائلًا:
- طيب الوالد عارف اللي أنت ناوي تعمله دا!
ترك محمود الهاتف من يده ليخبط أعلى المكتب بعنف:
- من امتى الوالد بيدخل في شغلي يا أستاذ بكر، ثم إن القرية دي تخصني لوحدي لا ليها دعوة بأسهم المجموعة ولا برأس مالها..
ثم انحنى ينظر له بحنق:
- ومرة تانية أتمنى تلتزم بشغلك وبس وتسيب النصايح دي على جنب...
وقف السيد بكر وهو ينظم الأوراق بيد مرتعشة ليضعها في الملف الخاص بها، ثم أزاح نظارته ليخبره:
- أنا واجبي و عملي يقتضي أني أنصحك يا محمود بيه إن مكنش من باب تقاضي أجري فمن باب أني بعتبرك زي أبنائي، ولكن بما أنك عارف كويس أنت بتعمل إيه فأنا بعتذرلك على التدخل.
الملف فيه كل الأوراق المطلوبة مجرد ما أشرقت هانم تمضي ابعتلي الملف و أنا هسجل القرية باسمها.. بعد إذنك.
ثم انطلق خارج المكتب ليتمتم محمود بتعجب وهو يمسك هاتفه ليراسلها مرة أخرى:
- راجل مبالغ فيه.. إيه الدراما دي!
ثم بعث لها في رسالة نصية "اعملي حسابك بكرة أنتِ ليا وبس"
طرقتين على باب مكتبه ليدلف بعدها صديقه المقرب " عاصم درويش " وبصوته العالي ردد:
- ابن الوزير
نظر له محمود بابتسامة وهو مازال على مقعده:
- أدخل يا مزعج
جلس على المقعد أمامه قائلًا:
- ما قولتليش هتعمل إيه بكرة!
أجابه وهو يأخذ الملف من أعلى المكتب ليضعه في خزانته:
- هاخدها على القرية، وهناك هما مجهزين كل حاجة و بكر خلص الأوراق فاضل امضتها بس.
ضيق عاصم عينيه وهو ينظر له متسائلًا:
- أنت بتحبها بجد ولا إيه يا معلم؟!
وقف ليتوجه لثلاجته الصغيرة يأخذ منها مشروب قذفه لصديقه بينما فتح الآخر وهو يقول:
- بحب مين يا عم، دا نمرة كدا أصل أنت ما تعرفش أشرقت دي وعيلتها عاملين إزاي برة مصر.. حاجة كدا ولا رؤساء دول يعني نفوذ و سلطة مش عند حد في مصر يعني القرية السياحية دي اللي قارفني بيها بكر ولا حاجة قصاد اللي هاخده بعدين..
رفع عاصم حاجبه ليبتسم محمود
- بص ما أنكرش أنه بعد شهر أعجبت بيها يعني لكن حب إيه وتلزيق إييه يا عم أنت عارف أنا مش بتاع الكلام دا..
وقف عاصم يستعد للخروج قائلًا:
- طب يلا بينا من هنا.. أنا محضرلك سهرة ما حصلتش!
التقط محمود سترته من أعلى المقعد وهو يتبعه:
- يلا بينا..
*************************
أخرجت هاتفها من الحقيبة لتجيبه وهي تلتفت حولها بخوف، رغم إنها ترتدي نظارة تغطي نصف وجهها، وتضع حجاب على شعرها لتختبئ أكثر قائلة بصوت خفيض:
- أنا قدام الفندق أهو و داخلة المطعم..
ثوان وكانت تقف أمام طاولته لينظر ريان نحوها بدهشة لما ترتديها، ثم وقف لتمد هي يدها له فتجاهلها قائلًا:
- عاوزة مني إيه يا حلا؟!
تركت يدها المرفوعة لتسقط على جانبها لتعتصر بها ثوبها من الإحراج التي شعرت به، لتجيبه:
- جاية أساعدك تنتقم من هشام على اللي عمله في ياسمين.
جلس ريان على مقعده، لتجلس هي الأخرى أمامه ليردد وهو يقضب حاجبيه:
- والمقابل ؟!
رفعت رأسها تنظر له من خلف نظارتها بغرابة لتتنحنح وهي تقترب برأسها منه:
- هقولك توديه في داهية ازاي بس مش لوحده!
نظر لها بتساؤل دون التفوه بحرف لتُكمل بهمس:
- سليم يكون معاه..
إعتدل ريان في مجلسه و أشار للنادل ليقترب الأخير بخطوات سريعة بينما ينظر ريان لحلا بعينان لامعتان قائلًا:
- تشربي إيه ؟!
*********************
ارتدت حذائها وهي تركض نحوه وهو يسرع بخطواته نحو باب الشقة لتصرخ هي به:
- استنى يا يونس إلبس حتى الفردة التانية..
أكمل في طريقه ليفتح الباب ويقف أمام المصعد بينما هي بالكاد لحقت به قبل أن يُفتح باب المصعد لتدلف داخله وهي تنظر له بحنق ليتبعها و ينغلق باب المصعد عليهما، لكزته في كتفه وهي تصك أسنانها قائلة:
- كدا تجريني وراك كل دا!
رفع حاجبه بغضب وهو يزعق بها:
- بقالك ساعتين قدام المراية ياظالمة ومعادنا خلاص مبقاش فاضل عليه غير ربع ساعة يارب بس نوصل بسرعة قبل ما الراجل يتخنق مننا ويلغي المعاد.
رفعت كتفها بعنج:
- مش بتقول أنه راجل أعمال كبير ومهم عاوزني يعني أروح شكلي وحش.
توقف أمام بوابة المبنى الكبير ليقف يونس حائلًا بينها وبين باب الخروج، ينظر لها بعينان محمرتان من الغضب قائلًا:
- وأنتِ بقى لطعاني ساعتين عشان تتزوقي لرجل الأعمال الكبير!
رددت بصوت مضطرب من المفاجأة:
- لا طبعًا أنا ما قصدتش..
وقبل أن تُكمل ضغط على زر الصعود وهو يقول:
- إيه رأيك بقى أنت مش هتيجي معايا
كادت أن تُجن وهي تردد:
- يونس ما تهزرش والله ما أقصد.. أنت مش عارف تفاصيل القرية وكمان لازم أكون حاضرة الاتفاق عشان أنا عارفة سعرها كويس.. أدار لها ظهره ليتوقف المصعد ثانية أمام شقتهم، فأمسك مرفقها ليخرجها من المصعد وهي تتقافز حتى كادت أن تبكي ليفتح باب الشقة دون ابداء أي ردة فعل، ليدلف داخل المصعد وهو يقول لها :
هبقى أكلمك فيديو كول من هناك..
ضغط زر النزول و أسما تقف أمامه جاحظة العينان لا تصدق ما فعله،
التفتت لتدلف لشقتها وهي تضرب الأرض بقدميها بعدما قذفت حذائها بعيدًا وهي تصرخ:
- والله لا أعرفك الجنون على أصوله يا يونس..
أخرجت هاتفها لتقوم بالإتصال بها، أجابتها صديقتها على الفور:
- أنتِ بتكلميني إزاي؟!
قالت أسما بغضب شديد:
- المتخلف يونس بعد ما خرجنا رجعني تاني..
سألتها بدهشة:
- إيه الهبل دا!
تأففت بضيق وهي تلتف حول نفسها:
- البيه غيران، ما علينا.. هو قالي هيكلمني فيديو كول عشان أنا اللي عارفة التفاصيل..
زفرت صديقتها بضيق قائلة:
- البيعه دي لازم تتم بأي شكل يا أسما، لو الترتيب دا باظ هنروح في داهية أنتِ سامعة.
- جلست على الأريكة وهي تخلل أصابعها في فروة رأسها بقوة قائلة:
- ما تقلقيش إن شاء الله خير.. سلام أنتِ دلوقتي عشان هحضر للبيه دا مقلب محترم وهوريه يتجنن عليا كدا مرة تاني إزاي ولو في جديد هكلمك..
أنهت المحادثة على صوت صديقتها:
- على الهادي.. مش عاوزين كوارث!
وقفت أسما تفكر قليلًا لتنطلق نحو غرفة نومها ومنها لغرفة الملابس وهي تبحث بعينيها عن ثوبٍ بعينه حتى وجدته لتلتقطه بابتسامة مغتاظة وهي تقول:
- مش عاجبك فستاني أبو كم اللي مجرجر في الأرض أنا بقى هطلعلك في الفيديو كول بقميص نوم و إبقى وريني هتقفل إزاي قدام الراجل!
وقفت حلا تلتقط حقيبة يدها وهي تنظر لساعتها قائلة:
- أنا لازم أمشي دلوقتي قبل ما سليم ياخد باله من غيابي.
وقف ريان أمامها متسائلًا:
- تحبي أوصلك؟!
رفضت سريعًا:
- لا لا ما ينفعش خالص، أنا هروح زي ما جيت
المهم لما أجهز اللي اتفقنا عليه هنتقابل تاني عشان أخد منك الشنطة .
أومأ برأسه:
- تمام..
انطلقت نحو الخارج ليتبعها هو بعدما وضع الحساب على الطاولة، ليصعد لسيارته وينطلق بها نحو المشفى..
دلف بداخل المشفى الخاص ومنها نحو غرفة ياسمين الذي وجدها فارغة تمامًا!
انتابه حالة ذعر وهو يبحث عنها في طرقات الغرف ومنها ركض نحو البهو ليقف أمام مكتب الاستقبال صارخًا:
- فين الدكتور أكثم؟!
ارتجفت الفتاة من صوته لتجيبه:
- مجاش لسه يا أفندم.. أؤمرني
خبط لها على المكتب بعصبية وهو ما زال يصرخ بها:
- فين ياسمين؟!
جاءت الممرضة الخاصة بها ركضًا وهي تخبره:
- مدام ياسمين في الجنينة يا ريان بيه..
بخطوات واسعة إنطلق نحو حديقة المشفى ليراها بعينيه تخطو بهدوء وهي تتأمل الأشجار حولها.
أسرع نحوها ليقف أمامها بلهفة ودقات قلبه مازالت تتسارع من فزعه أن يكون أصابها سوء،
واجهته بنظرات حالمة وهي تقول له بهدوء:
- اتأخرت ليه النهاردة؟
تنهد بعمق وهو يمد لها يده ليجلسا سويًا على المقعد الخشبي وهو يقول:
- كنت مع حلا أختك
ترقرقت عينيها بالدموع وهي تقول له:
- ما تقوليش أنها كانت بتسأل عليا لأني مش هصدقك.
ضم كفيها بين يديه وهو يضم حاجبيه بتعجب قائلًا:
- مش هتصدقي ليه يا ياسمين! أنا عمري كدبت عليكي
أخذت نفسًا عميقًا وهي تجيبه:
- أنا خلاص أهلي نسيوني يا ريان، حتى جوزي اللي كنت فاكراه عوض ربنا ليا بعد اللي عمله فيا جوز أختى وأختي طلع زيهم.
أزاح دمعتها التي سقطت على وجنتها وقد أتعبه قلبه من أجلها، ليبتسم نحوها وهو يُقبل كفها قائلًا:
- وأنا هنتقم لك منهم كلهم قصاد دموعك دي..
****************

ليست هناك تعليقات: