حكايات من عالمي الخاص ( بدر رمضان)

بدر رمضان كاتبة مصرية وهذه مدونتي الخاصة التي تحتوي على أعمالي الالكترونية المجانية، والكثير من المقالات الخاصة بالعالم الأخر.

حصريا رواية إيروتومانيا بقلم بدر رمضان الفصل العاشر


 


الفصل العاشر

دلف يونس داخل شقته شبه راكضًا نحو الغرفة التي كانت تنام بها أسما، ليتصلب أمام باب الغرفة هو يرى أسما تجلس على الارض تستند بظهرها على الحائط وتبكي بصمت،

تعلقت عيناه بجسدها البض المنكشف أمامه لا يستره سوى قميص حريري قصير جدًا، لتقف هي مسرعة على الفور عندما رأته،

تقترب منه وهي تمسح دموعها بذعر وتشير له نحو جسد عزيزة المُلقى على أرضية الغرفة بجوار الباب قائلة:

- أنا ما أعرفش هي دخلت إزاي يا يونس، أنا افتكرتها حرامي.

أشاح نظره عنها بصعوبة بالغة، ليبدأ جسده بإصدار بعض الذبذبات المرتعشة عندما اقتربت منه أكثر تمسك ذراعه بخوف لتصله رائحة عطرها المُسكرة تدغدغ حواسه بشدة، جعلته يتوقف بعدما هّم لفحص جسد عزيزة الذي تأكد من أول نظرة أنها بخير من خلال رؤية صدرها الذي يعلو ويهبط بأنفاسٍ منتظمة،

التفت نحوها ينظر لكفها القابض على ذراعه ثم إلى وجهها الذي يتلون بحمرة البكاء نزولًا بجسدها الممشوق العاري أمامه، الذي جعله يبتلع ريقه بصعوبة وقد وصل لحد الخطر،

" إنها مهلكة بحق "

أمسك كفها يجرها نحوه بسرعة فائقة لتلصق بصدره فشعر بالدفء الذي كان ينشده،

احتضنها بقوة وهي ما زالت تشهق بالبكاء من فعلتها بينما هو في عالم آخر،

دفعته برقة ليخفف رغمًا عنه من ضمها ولكنه لم يسمح لها بالابتعاد سوى مسافة تكاد تُذكر،

تنحنحت بحرج ثم أشاحت بنظرها للأسفل وكأنها طفلة صغيرة فعلت جُرم كبير،

رفع وجهها بسباته ليهيم في عمق عينيها التي ما زالت تتلألأ بدموع الخوف من المجهول، لتحدثه هي بصوت خافت:

- تفتكر الست دي ماتت، أنا والله مكنتش أق..

وضع سبابته على شفتيها:

- شششش.. ما تخافيش هي كويسة

صرخت بسعادة وهي تنظر لجسد عزيزة:

- بجد..

ثم ضمت حاجبيها وهي تتململ بين ذراعيه اللذان يلتفان حول خصرها متسائلة:

- وأنت عرفت منين؟

أبعدها من أمام جسد عزيزة دون أن يترك خصرها الذي امتلكه وانتهى الأمر!

ثم مّد قدمه نحو عزيزة ليركلها بقوة مرددًا:

- قومي يا عزيزة بلاش تمثيل!

شهقت أسما من فعلته، لتبدأ عزيزة بالتحرك بعدما ركلها وهي تتأوه بقوة، ليضطر يونس آسفًا أن يترك جسد أسما الذي امتلكه بين ذراعيه للحظات تمنى أن تدوم العمر بأكمله،

انحنى يجلس على ركبتيه وقد تملكه الغيظ من هذه الراقصة الخبيثة التي استغلت ساذجة الفتاة "بنت الذوات" كما كان يطلق عليها سابقًا، لتقوم بتمثيل هذا الدور الذي لا يليق بها بتاتًا وتظل ملقاة على الأرض حتى يأتي هو ويراها بهذه الملابس الفاضحة، فيحملها لشقتها وهناك هي ستقوم بباقي المُهمة،

ولكن هذه العزيزة لا تعلم أنه يحفظ تلك الألاعيب عن ظهر قلب، فقد قابل ممن يشبهونها كثيرًا للحد الذي جعله حصين من هؤلاء وأمثالهم،

أمسكها من كتفها بكلتا يديه ليجلسها بالقوة بينما هي مازالت تتأوه بشدة تصل للصراخ ليصك هو اسنانه بغيظ وهو يناديها:

- عزيزة!

وضعت يدها على رأسها لتصيح بفزع:

- دم يا لاهووي…

وضع كفه على فمها كي يخرسها ثم رفع رأسه ينظر نحو أسما التي عادت تلتصق بالحائط وهي تضع يدها على فمها وترتجف،

سمع الجيران صوت صراخها فبدأ الناس بالوفود أمام الشقة يطرقون على بابها، لتتسأل إحداهن:

- في إيه يا أستاذ يونس عندك؟ هو دا صوت ست عزيزة!

أغمض يونس عينيه بغضب وهو يهمس لها:

- عاجبك كدا.. و آخرة تمثيلك دا إيه؟

نظرت له بطرف عينها لتقترب من أذنه قائلة بوهن مصطنع:

- يا تتجوزني يا هودي السنيورة بتاعتك في داهية.

رفع حاجبه وضيق عينيه وهو يرمقها بنظرة تحمل الكثير، لتُرخي هي جفنيها بتعب، ويزداد صراخها وهي تجاهد لتقف:

- إلحقوووني...

تركها تسقط على الأرض ثانية ووقف يخطو نحو أسما التي سألته بصوت يرتجف من الرعب:

- يونس هما هيعملوا فيا إيه؟

مسد برقة على رأسها ليطمئنها:

- ما تخافيش..

ثم هبط ببصره لجسدها العاري قائلًا:

- البسي بس حاجة بسرعة.

شهقت بفزع وهي تبتعد عنه مرددة:

- إيه دا! أنا واقفة كدا من ساعتها

كادت أن تلطم خديها، ليمسك يونس كفيها يقبلهما قائلًا:

- اهدي يا أسما في إيه؟ ما حصلش حاجة لدا كله..

التفت ليجد عزيزة خرجت من الغرفة لتفتح باب الشقة للوافدين من الجيران وباقي الحارة التي هرولوا متفرجين،

خرج يونس من الغرفة و أغلقها خلفه ليجد الأمر قد تم كما أرادت الراقصة،

اجتمع الناس حولها لترمي هي على ذراع أحد السيدات، لتصرخ السيدة عاليًا:

- أنت عملت فيها ايه.. يالهووي

ليبدأ الهرج والمرج من حوله ليهتف هو بهم:

- أنا معملتش حاجة...

صمت الجميع ليسأل أحدهم:

- امال الست عزيزة سايحة في دمها كدا ليه؟!

ليدوي صوت أحد السيدات من الخلف

- اطلبوا البوليس يجوا ياخدوه المجرم دا!

لاحت على وجه عزيزة ابتسامة متسلية قبل أن تخرج أسما من الغرفة بشموخ قائلة:

- يونس ما عملش حاجة، أنا اللي خبطها على دماغها.

بدأ الهمس بينهم، لتتأوه الراقصة بألم:

- أيوة هي المجرمة دي كانت هتموتني..

تساءلت السيدة التي تحمل عزيزة بين يديها:

- ودي مين اللي جايبها شقتك دي يا سي يونس.. إحنا بيتنا بيحصل فيه القذارة دي !

خطت أسما نحو يونس تلتصق بصدره ليضم هو حاجبيه يُحدق نحوها بتعجب وهي تتعلق بقميصه قائلة بثبات تّحسد عليه:

- على فكرة القذارة دي اللي عملتها الست اللي بتدافعي عنها، هي اللي اقتحمت عليا شقتي وجاية تدخل عليا اوضتي تضربني بعد ما عرفت أني مرات يونس...

شهق الجميع بدهشة ، ليتطلع يونس لوجهها وقد انفرجت شفتاه بابتسامة متعجبة، وتهلل وجهه بسعادة بالغة وكأنه أعطت له المفتاح ليلف ذراعه حول خصرها بتملك بينما يُقسم في سره أن هذه الليلة لن تمر دون أن تكون أسما زوجته بالفعل،

وقف أمام الجميع يفرد كتفيه، ويشد جسده قائلًا:

- أطلبوا بقى البوليس ونشوف هو هيقبض على مين، مراتي كانت بتحمي نفسها من واحدة جت تهجم عليها، و أعتقد القانون بيدي الحق لأي حد يستخدم العنف لما يحس بالخطر.

فغر الجميع فاهه ليُكمل وهو ينظر لعزيزة التي اعتدلت تحدق به:

- ثم دا مش منظر تنزل بيه ست عزيزة لشقتي.. ولا إيه!

بتعب أجادته وهي تلهث:

- و أنا أعرف منين أنها مراته ولا أنه في حد في الشقة أصلًا.. أنا نزلت أنزله أكل زي ما بعمل على طول لما بيجي كل فترة.

وقفت أسما تتخصر بحاجبين معقودين وهي ترمقها بحنق مرددة:

- لا أنتِ عارفة أني هنا وخبطتي عليا و قولتلك أنا مراته.

صاحت إحدهن قائلة:

- ااه أنا فعلًا سمعت ست عزيزة وهي بتزعق قدام الباب وبتخبط جامد وبتشتم بس أنا مش عارفه كانت بتكلم مين.

علا صوت رجلًا من بينهم:

- عيب والله يا ست اللي عملتيه دا، و أصلا دي مش هدوم تنزلي بيها لشقة راجل أعزب..

ترددت بعد ذلك عدة همسات من المتواجدين حولها، لتدفعهم عزيزة بغل مرددة بصراخ:

- دلوقتي بقيت أنا اللي ظالمة يا حارة غجر.. يعني حتة مفعوصة زي دي تسيح دمي وانتوا واقفين تقولولي عيب.

لتتركهم وهي تداري وجهها وتُمسك برأسها وتصعد الدرج وهي تسبهم وتتوعدهم:

- حقي مش هسيبه ويا أنا يا أنت يا يونس.

صرف يونس الجميع و أغلق باب الشقة خلفهم، و التفت نحو حبيبته التي انتظرها سنين عدة وهو لا يعلم،

لتأتيه مهرولة لتعيد له أحلامه التي اقترب على نسيانها والتشبث بها بعدما فقد الأمل منها،

وجدها تضم كفيها بعضهما ببعض وتنظر له بخجل لتعتذر قائلة:

- أنا آسفة أني قولتلها كدا.. وقولت قدام الناس كمان كدا بس مكنش ينفع..

وقبل أن تنطق حرفًا آخر كان يلتهم شفتيها بنهم جعلها تدفعه في صدره قائلة بغضب:

- أنت وعدتني

أجابها وهو يرفع ذراعيه يضعهما على الحائط ليحتجزها بينهم:

- بس أنتِ دلوقتي مراتي قدام الناس.

قضبت حاجبيها وهي تزعق به:

- يونس.. ما تخلنيش أندم أني..

اقترب من شفتيها وهو يهمس:

- أنا بحبك

اتسعت حدقتيها ليُكمل:

- بحبك من أيام ما كنت بقولك في الراحة و الجاية يا بنت الذوات، وكنتي بتبصي لي كدا من فوق لتحت،

ابتسمت رغمًا عنها وسط هذه الضوضاء الداخلية التي تجتاحها،

ما هذا القدر العجيب الذي وضعها في موضعها هذا، لينقلها من حال لحال في سويعات قليلة لم تدركها حتى إلى الآن!

ارتفعت نبضات قلبها وهي تتأمل وجهه المُتيم بها ليقر هو واقع تحتم على كليهما :

- تعالي نتجوز حالاً

تسارعت أنفاسها من المفاجأة وهي تردد:

- أنت بتقول إيه ؟!

قرب وجهه من رقبتها يحدق بعرقها النابض قائلًا بهمس قتلها:

- ما هو أنا لازم أصلح غلطتي.. ما ينفعش أشوفك بقميص النوم و أسيبك.

شهقت بخفة ليبعد وجهه عنها يقاوم ابتسامته:

- أنا ااه معنديش أخوات بنات بس بخاف على بنات الناس.. قصدي الذوات.

ضربته بقبضتها على صدره لتبتسم بخفة قائلة:

- أنت إزاي بتعرف تهزر وتتكلم جد في نفس اللحظة.. بجد أنت وترتني.

تنهد بعمق ليرخي ذراعيه التي تحتجزها، ثم احتضن كفيها بيديه وهو يتطلع إليها بكل حب يملكه تجاهها قائلًا:

- أنا بقالي سنين لوحدي يا أسما.. كنت برفض الجواز أو الخطوبة أو حتى الارتباط، وقبل ما تسأليني ما أعرفش ليه.

رفع كفها على فمه يلثمه وهو يُكمل بمشاعر اجتاحته و أصبح كتمانها يسبب له ألم كبير:

- بس دلوقتي عرفت

هزت رأسها بسؤال ليجيب وهو يحاوط وجهها بكفيه:

- كنت مستنيكِ

ردد بحيرة ضربتها في مقتل:

- أنا مش عارفة.. بجد أنا حاسة أني تايهة وخايفة و في حاجة غريبة بتحصل!

أحنى رأسه جانبه قائلًا:

- إيه هي؟ أنك بتحبيني

تطلعت لعيناه وهي تؤمي برأسها، ليقبض على كفها ويجرها خلفه متوجهًا نحو باب الشقة قائلًا:

- يبقى يلا بينا على المأذون.. ولما نكتب الكتاب نبقى نتكلم في الموضوع دا.

أوقفته باضطراب:

- استنى بس يا يونس.. أنت بتتكلم بجد

زفر بضيق:

- أنا استنيت كتير والله.. مش هقدر أستنى دقيقة كمان.

ضحكت وكأنها تطيع القدر وتستسلم له في لحظة جنونية لا ترغب حقًا في إفسادها، لتردد برقة جعلته يذوب أكثر:

- طيب هجيب شنطتي!

ترك يدها وانطلق نحو الغرفة وهو يحمل حقيبة ظهرها التي أتت بها ويتقدم إليها متسائلًا:

- دي فيها كل حاجتك؟!

اومت برأسها فنطلق ليمسك يدها ثانية ويخرج بها من باب الشقة هامسًا:

- ياريت بعد ما نكتب الكتاب تلبسيلي القميص اللي كنتي لبساه تاني عشان أعيد المشهد اللي فات بس بدون مونتاج!

لكزته في كتفه بغيظ وقبل أن تنهره وجدت نفسها في الشارع العمومي وهو يتوجه بها نحو سيارته، لتفغر فاهها قائلة:

- هي دي عربيتك؟!

فتح لها باب السيارة الأمامي بجواره ليضع حقيبتها في الخلف مجيبًا:

- أيوة

صعدت لتجلس على المقعد وقد ألجمتها المفاجأة، ليصعد هو خلف المقود يدير المحرك لتسأله بدهشة لم تستطع السيطرة عليها:

- أنت بتشتغل إيه؟!

**********************

وصل للمقهى فوجده يجلس بتوتر واضح، هو يعرفه جيدًا فقد رآه مرارًا في كاميرات المراقبة وهو يغازلها، لقد حفظ كل حركاته وسكناته عن ظهر قلب، وقد حان الآن وقت المُحاسبة..

اندلعت النيران في صدره وهو يتذكر بعض المشاهد بينهما و رسائل بينما رسالة أخته القديمة التي تداعب خياله الشره للانتقام من هذا الرجل، الذي كان سببًا في إلحاق الأذى بكل من أحبهم،

فهو إلى الآن لم يقتنع أن هذا الحقير ليس له يد فيما حدث لأخته الوحيدة،

أغمض عينيه واستحضر هدوئه بثقة لا تليق سوى ب

"ريان تاج الدين النادي"

وبخطوات ثابتة وعيناه مازالت تتأملان قدمي هشام الذي يهزهما برتابة وقد ظهر تفكيره المحدود جليًا على وجهه،

أزاح المقعد ليجلس أمامه مستقيما بغرور يمتلكه من هم مثله ليعتدل هشام في مقعده يناطحه بنظرات حاول محاولة واهية ألا تهتز أمام هذا الكائن الذي يعرف جيدًا ما الذي يكنه تجاهه،

ليضم ريان كفيه بعضهما ببعض وبثبات خرجت كلماته وهو يضغط على كل حرف بها:

- تاخد كام وتطلقها؟!

علت ضحكة هشام الذي لم يستطع إخفاء توتره بها ليردد:

- وأنت جايبني هنا عشان تساومني على مراتي!

دا إيه شغل الأفلام الأبيض والأسود دا..

ليُكمل تهكمه وهو يرفع حاجبه:

- الظاهر كدا أنَّه تمثيلك في الأفلام أثر على عقلك يا فنان.

لم تتغير ملامح ريان وظل على جلسته يحدق به، ليزداد اضطراب هشام ولكنه مازال يقاوم وهو يسأله بحقد ظهر جليًا على وجهه:

- فين ياسمين يا ريان.. أو خليني أوضح أكتر فين مراتي اللي أنت خاطفها؟ واللي لسه لحد الآن قاعد و بتكلم معاك بالعقل و أنت جاي تخرف وتتمنظر بفلوسك اللي ما تجيش حاجة جنب اللي بملكه..

اعتدل ريان عند آخر كلمة نطقها هشام بتفاخر يعلم جيدًا أنه مزيف تمامًا،

ليقترب بوجهه منه قائلًا بنفس الهدوء الذي لم يفقده منذ أول اللقاء بينهما:

- فلوسك نهين؟! أي فلوس يا هشام بيه؟! اللي خسرتها في الصفقات المشبوهة، ولا تقصد فلوس التأمين اللي عاملها أبو ياسمين على حياته عشان لما يموت بناته الاتنين ياخدوا ٦ مليون جنيه ..

ارتجف جسد هشام رغمًا عنه وجحظت عيناه من المفاجأة وهو يسأل نفسه "من أين عرف ريان هذه المعلومة" ليصدمه ريان ويُكمل حديثه:

- أبو ياسمين اللي عرفت أنه عنده كانسر وقرب خلاص يموت فقررت تديها دوا مخدر عشان تبقى مدمنة وتفقد جزء كبير من ذاكرتها بسبب الدوا و أوهمتها، ومكتفتش بكدا لا.. دا أنت أوهمتها أنها مريضة نفسيًا لحد ما بقت فعلًا مريضة نفسيًا، و عشان لما أبوها يموت هيكون طبعًا معاك التقارير دي كلها وتقدر ساعتها تاخد كل فلوسها برضاها أو غصب عنها لو اعترضت..

ثم رفع كفيه يصفق بها مرددًا:

- لا برافووو.. خطة في منتهى الذكاء!

صك هشام أسنانه بغيظ عندما عراه ريان من كل ما كان يخطط له، ليقول له بحنق شديد:

- وأنت بقى بعد ما عرفت المعلومات دي عاوز تاخدهم أنت مش كدا؟

خبط ريان بكفه على المنضدة الخشبية، ليلفت نظر الجميع من حوله وهو يهتف به:

- اخرس يا حقير.. أنت فاكرني زيك، أنا أنضف منك و من عشرة زيك، إحنا لو مش في مكان عام دلوقتي كنت عرفتك مقامك.

ثم اعتدل واقفًا لينهي حديثه وهو يرمقه باشمئزاز:

- لما تفكر في رقم إبقى قولهولي.. أعتقد رقم تليفوني معاك.

أوقفه هشام وهو يقبض على ذراعه وقد توغر صدره من حديثه:

- استنى هنا.. أنت فاكر أنك كلتني بالكلمتين دول! أنت لو مرجعتليش مراتي بالذوق أنا هبلغ عنك

أمسك ريان كفه المتعلق بمرفقه ليقبض عليه بأقصى قوة يملكها قائلًا:

- ما تخافش يا هشام بيه هيبقى لنا لقاء تاني إن شاء الله، إحنا حسابنا لسه عسير أنا لسه ما حسبتكش على اللي عملته مع وجّد.

كاد أن يكسر أصابعه وهو يضغط عليها، و هشام يقاوم آلامه بكل ما أوتيَ من قوة وعينان تضجان بالشرر وهو ينظر نحوه، يسيطر بشق الأنفس على نفسه كي لا يعالجه بلكمة على وجهه ليحذره بلهجة قاسية:

- أنت كدا بتلعب بالنار يا فنان واللي بيلعب بالنار بتحرقه!

ترك ريان يده وهو ينفضها بعيد عنه ليقترب من أذنه مرددًا:

- النار ما بتحرقش غير الأوساخ اللي زيك..

ثم تركه وانصرف من المقهى، ليقوم هشام بتدليك كفه بألم شديد بينما عيناه تتبعان ريان بغضب لم يعد يستطيع السيطرة عليه حقًا،

أخرج هاتفه بيده بينما يده الأخرى مازالت تؤلمه ليقوم بالاتصال بسليم الذي أجابه على الفور:

- طلع عارف كل حاجة... قابلني في البيت القديم حالاً.

انهى جملته الأخيرة وهو يخطو نحو سيارته،

بينما اتخذ ريان المنحنى المؤدي للمشفى وهو يفتح مكبر الصوت على سماعة سيارته الداخلية ويقوم بالاتصال به،

أجاب أكثم وهو يخرج من مكتبه:

- ثواني معايا

القى نظرة أخيرة على حلا التي ما زالت تبكي وهي تُمسك بالدفتر الكبير ليقول لها:

- حاولي تهدي يا مدام حلا وأنا دقايق وجايلك..

عاد لهاتفه ليجد ريان يصرخ به:

- حلا أخت ياسمين!!

اجابه أكثم بهدوء جعل ريان يضرب المقود بقبضته:

- إهدى يا ريان.. كان لازم أستدعيها عشان أعرف الحقيقة فين..

هتف به ريان بحنق:

- بس أنت وعدتني يا دكتور ما حدش هيعرف مكانها.. ثم إن أختها دي مرات زفت الطين سليم، ما أنا فهمتك كل حاجة يا أكثم.

لم يمنح له فرصة للرد، ليزيد من سرعة سيارته وهو ينهي المحادثة:

- أنا جاي في الطريق.. وهنقلها من المستشفى دي حالًا..

نظر أكثم لهاتفه وهو يهز رأسه ثم وضعه في جيبه وانطلق نحو غرفته الرئيسية، ليجد حلا ما زالت تقرأ في الدفتر وتبكي، ولكن شهقتها بدأت تهدأ عن بداية المقابلة،

جلس على مقعده خلف المكتب وهو يراقب كل شاردة وورادة تصدر من حركات جسدها ونظرات عينيها الباكية،

وضعت الدفتر أعلى المكتب الخشبي عندما جلس أكثم أمامها لتهز رأسها بأسف قائلة:

- ما فيش حاجة مكتوبة هنا حقيقية يا دكتور!

مد لها يده بمنديل ورقي وهو يحثها على إخباره بالحقيقة كاملة:

- أنا سامعك يا مدام حلا..

أخذت المحرمة من يده وجففت بها دموعها لتُصدر شهقة أخيرة من حنجرتها لتبدأ في الحديث:

- سليم دا يبقى جوزي أنا.. وهشام دا صديقة الأنتيم مش أخوه ولا حاجة ثم إن ياسمين أصلًا مخلفتش من هشام، وما فيش حد نعرفه اسمه وسيلة أصلًا.

ضيق أكثم عينيه وهو يقول لها:

- إهدي يا مدام حلا كدا وعاوزك تبدأي من يوم فرح ياسمين.. يعني من ساعة هي ما بدأت حكايتها على الورق..

اعتدلت في مجلسها وضمت كاحليها ببعضهما، تحت أعين أكثم التي لم ترف منذ جلوسه، لتمُد يدها المرتعشة تأخذ بها كوب الماء الموضوع على الطاولة لتتجرعه مرة واحدة،

ثم اعادته مرة أخرى لموضعه وهي تقول له:

- فرح ياسمين مكنش في فندق كبير دا كان فرحي أنا على سليم، وسليم مكنش يعرف ياسمين أصلا قبل ما نتجوز.

فركت جبتها بتشتت ليأخذ أكثم الدفتر من أمام عينيها الزائغة قائلًا:

- انسي خالص اللي ياسمين كتبته هنا.. اتفقنا

أومت برأسها ليُكمل:

- إحكيلي بقى يوم فرح ياسمين إيه اللي حصل!

أحنت كتفيها متجنبة النظر نحو عين أكثم التي مازالت تراقبها بتركيز تام لتقول له:

- فرح ياسمين كان بسيط يا دوب على قد عيلتنا في قاعة صغيرة كدا قريبة من بيت هشام.

قبل الفرح بشهر تقريبًا كان المفروض رايحين نحجز الكوافيرة، وسليم جوزي كان بيوصلنا، أنا سيبتهم مع بعض لأننا كنا واخدين معاد مع الكوافيرة والخياطة وكان المفروض نروح الاتنين في نفس الوقت،

روحت أنا للخياطة اللي هتعملها الفستان أتفق معها لأنها كانت صحبتي، وحصلتهم بعدها بنص ساعة، روحت الكوافيرة مالقتش ياسمين اتصلت بيها تليفونها مقفول وبعد شوية لقيتها داخلة الكوافيره بتعيط ومنهارة،

والبنات كلهم اتلموا علينا، جريت عليها سألتها مالك قالتلي إن سليم جوزي اعتدى عليها،

طبعًا أنا من الصدمة زعقت معها ومصدقتهاش و..

صمتت للحظات ليردد اكثم بتفهم:

- أنا فاهم موقفك يا مدام حلا.. كملي

أكملت حلا بندم بادِ على وجهها:

- هي كانت لمحتلي قبل كدا إن سليم بيتعرض لها.. وأنا سألت سليم قالي نصًا " أختك مختلة عقليًا وفاكرة كل الناس بتحبها"

أنا الحقيقة صدقته لأن ياسمين من صغرها وهي كل شوية تقولي إن فلان بيحبني، فلان مهووس بيا، وهكذا

المهم أني يومها زعقت معاها وسيبتها ومشيت، تاني يوم ماما كلمتني تسألني عليها كانت فكراها عندي،

وقالتلي أن ياسمين مش موجودة من الصبح و أنها قلقانة عليها، حاولت أكلمها على تليفونها كانت قفلاه، سليم كان موجود في البيت ونايم، استئذنت منه وروحت عند ماما، اتصلنا بكل اللي نعرفهم ما لقنهاش وفضلنا في القلق دا لحد تاني يوم، أمي و أبويا كانوا هيموتوا حرفيًا بس ما رضيناش نقول أي حاجة لأي حد وطبعا سليم ما عرفش الكلام دا خوفت يقول لهشام وتبقى فضيحة،

تاني يوم بليل ياسمين رجعت حالتها يرثى لها،

أخدتها من ماما وبابا على الأوضة بتاعتها، وعرفت منها بعد محاولات كتير مكنتش راضية تتكلم معايا أصلًا، أنها حاولت تنتحر واللي أنقذها المطرب المشهور ريان، وحكت لي قد إيه كان لطيف معها وحنين و.. و.. وهي حاسة أنه حبها،

مش أول مرة ياسمين تحكيلي حاجة زي دي، طبعا حسيت أنها فعلًا مريضة، دخلت عملت سيرش على الانترنت ولقيت أن دا مرض بالفعل اسمه إيروتومانيا وأكيد حضرتك عارف.

هز أكثم رأسه:

- مفهوم.. كملي

المهم أني حسيت أنها محتاجة حد يحتويها، فكلمت هشام قبل فرحهم...

نظرت لأكثم بطرف عينيها، لتٌكمل بحرج شديد:

- حكيت له كل حاجة واترجيته يتعامل معها معاملة خاصة

بس للأسف بعد الفرح بكام ساعة قررت يومها أبات عند أمي بطلب من سليم لأنه قالي أنه هيسافر بعد الفرح وهيجي ياخدني تاني يوم،

الساعه كانت حوالي ٥ بعد الفجر لقينا ياسمين داخلة علينا بقميص نومها مقطع وجسمها كل كدمات ووشها غرقان دم وبتعيط بانهيار وبتقول إن هشام ضربها واغتص...

توقفت عندما دلف ريان عبر باب الغرفة ينظر لأكثم بغضب شديد، لينتقل ببصره نحو حلا التي اتسعت حدقتيها من رؤيته لتتسأل وهي تُشير نحوه بدهشة:

- هو.. هو.. دا ريان!!

*******************************


شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات:

بنى نعمان حول العالم

سلسلة بنى نعمان حول العالم