الفصل الثاني عشر
فتحت باب غرفة المكتب وهو ينهى المحادثة ثم نظر لريان الجالس على المقعد بملامحه المشدوهة يُمسك هاتفه يلفه بيده ليقطع أكثم شروده قائلًا:
- اللي أنت توقعته حصل..
انتبه له ريان متسائلًا:
- إيه؟
وضع الهاتف على المنضدة وجلس على المقعد مجيبًا:
- سليم وهشام راحوا المستشفى اللي هناك.
رفع زاوية فمه بابتسامة ليردد:
- قولتلك إن حلا دي أم المصايب.
ليردف باهتمام وهو يعتدل في مجلسه:
- أنا برده مش فاهم حاجة من اللي ياسمين كتبته!
مين وسيلة وليه خلت سليم وهشام أخوات وحادثة انتحارها اللي أنقذتها فيها مش كدا خالص، وعرفت منين علاقة هشام بوجّد وموضوع الرسايل اللي لقيتها على تليفون وجّد، أنا هاتجنن من وقت ما قريت اللي كتبته وبجد مش فاهم أي حاجة.
ضغط أكثم على جرس جانبي بجواره ليتحدث عبر سماعته الملاصقة به:
- معلش هتعبك معايا انهاردة هاتلنا اتنين قهوة سادة.
أجاب الشاب:
- تؤمرني يا دكتورنا
انتبه لريان الذي ينتظر إجابة شافية:
- أنا من وقت ما أنت و أختها نفيتوا كل اللي مكتوب بشكل أو بآخر فضلت أحلل كدا ليه ممكن ياسمين تكتب كل حاجة غلط مافيش ولا حاجة صح إلا علاقتك بيها، وعلاقة أختك بجوزها،
حتى حادثة الإنتحار قولتلي أن اللي حصل مش كدا خالص،
بص يا سيدي من خلال دراستي على حالات بتتعاطى
"البنزوديازيبين"
لفترات طويلة توصل لسنة أو سنة ونص مثلاً فالأثار الجانبية اللي بتأثر على الصحة البدنية و العقلية خطيرة جدًا فما بالك أن جوزها بيديها العلاج دا بقاله ٣ سنين و أنت روحت قطعته عنها فجأة من غير مقدمات لمدة كام يوم،
فبقى عندها حاليًا اضطراب اكتئابي، فقدان ذاكرة جزئي، ميول انتحارية وعدوانية، دا غير أثار الدوا أصلًا، فحاليًا أنا بحاول بقدر الإمكان أخليها نايمة لحد ما جزء من الأزمة دا يعدى ونبدأ نسحب الدوا من جسمها تدريجيًا.
طرق الشاب على باب الغرفة ليُعرف عن نفسه فأذن له أكثم بالدخول فوضع القهوة أمامهم وخرج من الغرفة، ليُكمل ريان تساؤلاته:
- طيب عرفت موضوع وجّد منين برده! كل اللي فات دا ممكن أتقبله هي مضطربة وعندها فقدان ذاكرة جزئي وكتبت حاجات مش موجودة.
انتبه له ثانية ليتسائل:
- وصحيح مين شخصية وسيلة دي؟
وضع أكثم فنجان القهوة على الطاولة وهو يجيبه:
- ياسمين مش مصدقة ولا عاوزة تصدق أن أختها غدرت بيها وكانت سبب في كل اللي حصل لها،
فاخترعت شخصية اسمها وسيلة تنتقم منها على اللي عملته فيها وتصور تعامل سليم ليها بأسلوب وحشي، وبررت وجودها معاه واستمرارها بوجود طفلة سمتها ياسمين على اسمها رغم إن حلا ما خلفتش من سليم لحد الآن بعد سقوط جنينها الأول اللي كان قبل جواز ياسمين أصلًا.
ضيق ريان عينيه وهو ينظر لأكثم قائلًا:
- وأنت عرفت المعلومات دي منين؟
رفع فنجانه على فمه لينهيه ثم وضعه فارغًا وهو ينظر لريان مرددًا:
- حلا اللي قالتلي.
- طب وحكاية وجّد!
سأله ريان وهو يحدق في عينيه بشك ليجيبه أكثم:
- أكيد عرفت من جوزها يا ريان.. بديهي يعني
أنهى فنجانه وتركه أعلى الطاولة ووقف مستعدًا للذهاب قائلًا:
- أنا لازم أمشي دلوقتي.. بس
هز أكثم رأسه نفيًا:
- مش هتدخل لها تاني كفاية اللي حصل.
برجاء ردد:
- مش هكلمها هشوفها بس..
نظر أكثم للأوراق أمامه وهو يجيبه:
- هتلاقيها نايمة.
فتح ريان باب المكتب وهو يقول له:
- مش مهم هشوفها برده.
خرج و أغلق الباب خلفه ليرفع أكثم السماعة الداخلية للمشفى وضغط بعض الأزرار قبل أن يتحدث للطرف الآخر:
- اجهزي.
ثم وضع السماعة دون كلمة أخرى، ليُكمل قراءة أوراقه..
وصل لغرفتها ودقات قلبه تتعالى وهو ينظر لجسدها المسكين من خلف الزجاج وهي تغط في النوم وتواليه ظهرها،
مرر كفه المرتعش على الزجاج الخارجي وهو يذكر احتضانه لها وهي تبكي بين يده، ليغمض عينيه وهو يستنشق رائحتها التي لم تغيب عن أنفه منذ خمس سنوات، ليردد بعينان لامعتان :
يازهرة تسامت على كل الورود جميعها
يكفيكِ فخرا إذا دعيتِ نادوكِ بالياسمين
شذى عطرك الفواح ارقي مهجتي
وكنتِ للشعراء دوما هاجسًا وحنين
لو كان لي من الأمرمدحا لأحسنك
لمدحت فيكِ الحسن أشهراً وسنينًا
لا تحسبي الكلمات عنك مدائح
فوربِ إني بوصفكِ لصادقًا و أمينًا
رنين هاتفه بإسم يونس جعله يتحرك خارج المشفى نحو سيارته...
*********************
واجهة زجاجية ضخمة وكبيرة، تحتل وسط مدينة جديدة و مرموقة صُنعت خصيصًا لهذه الطبقة، ركض تجاهها رجلًا من الرجال المصطفين على جانبي البناء لتترجل هي من سيارتها الفارهة وتعطيه مفاتيحها دون كلمة واحدة، صعد الرجل للسيارة و أدار محركها كي يضعها في مكان آمن، وقفت هي ترفع رأسها تنظر للبنيان الشاهق بعجب وهي ترسم ابتسامة مُتسلية على وجهها،
الوقت اقترب على غروب الشمس فخلعت نظارتها الشمسية التي ابتاعتها بالآلاف الجنيهات ورفعت بها شعرها الأسود الطويل لتتهادى برقة وعذوبة تطرق على الأرضية بكعبها العالي، وتحمل بيدها حقيبة جلدية تحوي أوراق جاءت من أجلها، ارتفعت الرؤوس نحوها بنظرات إعجاب واضحة ليهرول تجاهها أحد العُمال ليحمل عنها الحقيبة التي أعطته إياها بابتسامة عذبة وهي تخطو نحو فتاة الاستقبال التي تفحصت جسدها وملابسها بدقة قبل أن تنطق بكلمة حاولت التخفيف من الضغط على حروفها:
- اؤمري يا أفندم..
نظرت لعينيها مباشرة وهي تنطق اسمها بهدوء وتناولها الكارت الذهبي الخاص بها:
- أنا أشرقت التهامي.. عندي معاد مع محمود بيه.
أمسكت الفتاة الكارت بيد مرتعشة من فخامته وهي تردد:
- أيوة يا أفندم معادك مدون اتفضلي العامل هيوصلك لمكتب محمود بيه.
بخطواتها المتزنة الراقية تقدمت نحو المصعد والعامل يسبقها حاملًا الحقيبة،
دلفت للمصعد ليضغط العامل زر الصعود لمكان المكتب الكبير المُخصص لمحمود السنجيدي نجل رجل الأعمال الكبير ووزير المالية الحالي ثروت محمود السنجيدي
وقف المصعد أمام البهو الطويل الذي مشت خلاله بثبات حتى وصلت لمكتب السكرتيرة الخاصة التي وقفت أمامها بترحيب مُهذب، ثم أخذت الحقيبة من العامل وهي تشير إليها:
- اتفضلي معايا يا أشرقت هانم.. محمود بيه في انتظارك.
ايماءة بسيطة من رأسها كانت كافية لتتهادي خلفها حتى فتحت الفتاة باب مكتبه بعدما طرقت عليه ليأذن لها محمود بالدخول،
دلفت وخلفها أشرقت التي لمعت عينيها بالذكاء وهي تتفحص كل زاوية بالمكتب قبل أن تصل له،
ظل هو جالسًا على مقعده حتى ظهرت من خلف سكرتيراته فانتفض واقفًا يطالع جمالها الأخاذ،
اختيارها للثوب مثاليًا، تفحصت عيناه كل جزء في جسدها الذي يصرخ بجمال مميز وخاطف للأنفاس،
بذلة جلدية سوداء تتكون من تنورة قصيرة تحتضن خصرها بتملك وتسقط على ساقيها الممتلئان بإغراء شديد،
تغطي ركبتها بإتقان جعلته يتمنى لو كانت أقصر قليلًا،
يعلوها سترة ضيقة تُبرز مفاتنها بحُسن لا مثيل لها، وخاصة أن بشرتها لا تظهر من خلالها لارتدائها قميص ناري أحمر اللون لا يُظهر سوى عنقها الطويل المُظلل بشعرها الأسود الحريري الطويل ليعكس قميصها الأحمر ضوء يتلألأ عندما ماثل صبغة شفتيها الممتلئتان بسحر جعله يبتلع ريقه بصعوبة وهو يحيها:
- أهلًا وسهلًا يا أشرقت هانم..
وهو يُقسم بداخله أنه لن يعود لمنزله الليلة إلا بصحبتها،
أشار للسكرتيرة بإهمال، فخرجت الفتاة وهي تذم شفتيها، بينما سحبت أشرقت كفها باشمئزاز من بين كفه المتعرق وهي تقابل تحيته بتحية مماثلة:
- تشرفت بلقائك يا محمود بيه و أتمنى أننا نتفق النهاردة.
أشار لها كي تجلس وهو يردد بابتسامة متسعة أظهرت جميع أسنانه:
- دا أكيد يا أشرقت هانم إحنا لازم نتفق.
بادلته ابتسامته بأخرى رقيقة سحرته بحضورها المميز والأنيق، فجلس على مقعده بانتشاء وهو يقول:
- أنا بقول بداية كدا بلاش أشرقت هانم ومحمود بيه وخلينا كدا نتكلم من غير ألقاب، إحنا خلاص هنبقى شركاء.. ولا إيه !
بابتسامة اخرى هادئة رددت:
- دا أكيد..
تنحنح وهو يسألها:
- نقول مدام أشرقت!
بحرج أجابت وهي وتنظر لعينيه:
- آنسة..
غمز بعينيه مرددًا بفرحة عارمة:
- دا من حظي ونصيبي والله
هزت رأسها باستنكار وهي تضم حاجبيها:
- أفندم!
اعتدل في مجلسه ليقول بجدية:
- نتكلم بقى في مشروعكم ونشوف إمكانية تنفيذه.
رفعت حقيبتها لتفتحها بتأنٍ أشعله وكأنها تتعمد مغازلته ولكنه لا يرى ذلك رؤى العين، فهي عفوية وتلقائية صارخة الجمال وحضورها مع صوتها مميز للغاية، هي باختصار "أنثى مُهلكة "
بكل ما تحمل الكلمة من معنى،
أخرجت الأوراق وبدأت تشرح له مشروع شركتها المميز الذي سيدُر عليه أرباح لا حصر لها ولا عد،
برغم حنكته في الأعمال وبرغم أنه لم يخسر في مشروعاته الكثيرة من قبل رغم الشائعات حوله التي طالت والده، إلا أنه يخرج منها دون خسائر لا مالية ولا حتى كلامية، مجرد أخبار تتداول دون مصدر موثوق يفلح دائمًا بإخفائها وصنع حدث كبير يجعل الجميع يتكلم عنه ويُذكر اسمه بعدها في محافل تُمجده وترفعه أكثر وأكثر ليُصبح كل ما يقال عنه ضئيل ومجرد زوبعة في فنجان،
إلا انها استطاعت إقناعه بشيء يشعر أن به خطب ما، وبرغم صدق حدسه الدائم إلا أنه لم يستمع له هذه المرة، فهذه المرأة يستحيل أن يأتي من ورائها أي مشكلة،
أزاح أفكاره وحاول إماتة شكوكه الدائمة حول أي أحد يقابله في العمل أو خارجه، و انتبه معها بكل حواسه.. حرفيًا..
أنهت حديثها الذي لم يمل منه طوال ساعتين تخللتهما عدة مشروبات تساعدهم على التركيز ولكنها لم تأخذ فاصل من الحديث بهم سوى عن العمل، ورغم عدم جلوسه هذه الفترة أمام أي شخص ولا حتى والده، إلا أنه لم يشعر بالضجر من هذه المقابلة أبدًا،
ابتسمت له بود وهي تُغلق حقيبتها مرددة:
- أنا كدا خلصت كل جوانب المشروع، وهسيب لحضرتك دراسة الجدوى وكل الأوراق اللازمة تراجعها مع المحامين وهستنى ردك قريب.
وقفت بعد جملتها تستعد للذهاب لينتفض هو واقفًا:
- أنتِ هتمشي !
نظرت لساعة يدها قائلة:
- يادوب يا محمود بيه... أنا ما بفضلش برة البيت بعد ٩ مساء
ضم حاجبيه بتعجب:
- إشمعنا !
ضحكت بخفة مرددة:
- تعليمات والدي يا أفندم
التف حول مكتبه ليواجهها قائلًا:
- دا أنا كنت طمعان نتعشى سوا النهارده بعد القعدة دي.
اعترضت وجهها البهي يضئ بنور لاق بها:
- ما أقدرش للأسف اتعشى غير في البيت مع والدي.
عاد لمقعده ثانية ليلتقط سترته قائلًا:
- كان نفسي أقولك تستقبلوني النهارده أتعشى معاكم بس مش عاوز أفرض نفسي كدا من أول مقابلة..
شهقت بخفة:
- ودي تيجي يا محمود بيه دا أنت تنورنا والله.
ثم أردفت بلباقة:
- دا أنا اللي أزعل والله لو ما جيتش معايا حالًا..
اقترب بوجهه منها يتفرسه بعينيه:
- وأنا ما أقدرش على زعلك أبدًا.. بس ما ينفعش أقتحم حياتكم كدا..
نفت بإصرار:
- إزاي تقول كدا يا محمود بيه.. دا إحنا نتشرف والله
ارتدى سترته قائلًا:
- حيث كدا يلا بينا
ابتسمت له وحملت حقيبتها ليوقفها هو:
- أنتِ هتشيلي وأنا معاك ولا إيه!
أخذ الحقيبة من يدها وأشار لها لتسبقه، فخطت بدلال زاد من اشتعاله وهو يتبعها تحت أنظار السكرتيرة ومن بعدها عمال الاستقبال وحتى المصطفين أمام الشركة الذين فغروا أفواههم جميعًا عن رؤيته يحمل حقيبتها ويخطوا جوارها ببطيء حتى لا يسبقها، وقد تكررت ضحكاتها البلهاء التي تخللت حديثهم حتى وصل لسيارته، التي تنتظره أمام المبني وخلفها سيارتها التي جاءت بها، ليشير هو لأحد الرجال الواقفين قائلًا:
- هات عربية الهانم وحصلنا...
حاولت أن تعترض فأوقفها قائلًا:
- أنتِ هتركبي معايا.. مافيش كلام تاني
صممت بالموافقة وبالفعل صعدت في الخلف لتجده يجلس بجوارها قائلًا:
- ماليش مزاج أسوق.. الشوفير هيودينا
أومت برأسها، وهي تنظر لسائق و تملي عليه عنوان بيتهم الذي لم يكن بعيدًا عن الشركة،
مرت الخمسة عشر دقيقة سريعًا ليتوقف السائق أمام منزلها الكبير ذو الحديقة المميزة، ليترجل كلاهما من السيارة نحو مدخل المنزل، ومنها للبهو الكبير الذي استقبلهم به والدها الأنيق في ملابسه وحواره و والدتها السيدة الأنيقة ذو الصوت المميز والجمال الهادئ التي تُشبهها كثيرًا،
هي بحق عائلة مميزة، كيف لم يعرف عنها من قبل ومن الواضح أن والدها له باع طويل في الأعمال فكيف عندما يتقابل معه يومًا أو حتى لم يتردد اسمه أمامه من قبل،
جلسوا جميعًا على طاولة العشاء وتبادلوا الحديث الذي لم يخلوا من كل هذه الأسئلة التي عرف إجابتها الشافية، أن هذا الرجل وعائلته قضوا نصف أعمارهم بالخارج في إحدى البلاد الأوربية، وهذا ما يفسر أسلوبها الحضاري ورقتها مع الدلال المُفرط والرقة اللامتناهية هي ووالدتها،
أنهى عشاءه و استئذن للذهاب معبرًا عن سعادته بهذا اللقاء وتمنيه تكراره ثانية،
خرجت أشرقت معه لتودعه عند باب المنزل لتتفاجأه به يجرها للخارج ويقف بها عند زاوية الباب الخارجي وهو يلتفت حوله ليتأكد من عدم رؤية أحدهم له وهو يفعل هذه الفعلة التي لم يسبق له أن فعلها من قبل، ليُحدثها بصدق بالغ:
- أنا معجب بيكِ جدًا..
فتحت فمها فأغلقه بكفه قائلًا:
- وقبل ما تتكلمي وتقوليلي أنت لحقت ولا قولت الكلام دا لكام واحدة قبلي هقولك اسألي عليا أي حد قريب مني أو بعيد، هيحلفلك أني عمري ما عملت حاجةزي دي، وما فيش واحدة من اللي عرفتهم في حياتي قولتلها أني معجب بيها، وإلا مكنتش استنيت للأربعين و اتجوزت بدل المرة عشرة.
أزاحت كفه من على فمها بحرج لتتنحح وهي تُعيد خصلات شعرها للخلف قائلة:
- مكنتش هقول كدا.. أنا كنت هقولك إن أنا كمان معجبة بيك.
ثم ركضت من أمامه داخل البيت و أغلقت الباب الكبير خلفها لتتركه هو في الخارج يقف بقلب يتسارع من دقاته وهو ينظر للباب ويخلل خصلات شعره بأصابعه وابتسامته تزين وجهه وهو يقول لها:
- هنفطرسوا بكرة.. هجيلك هنا أخدك الساعه ١٠ الصبح.. تصبحي على خير..
خلعت حذائها ثم قذفته بعيدًا عنها وخطت حافية نحو الأريكة الكبيرة، التي يجلس عليها والديها لتتمدد عليها وتضع رأسها في حجر والدتها تتنهد وعيناها مثبتتان على السقف فوقها لتقول والدتها بقلق وهي تُمسد شعرها:
- أنا قلقانة منه يا بنتي.. شكله راجل مش سهل أبدًا.
أجاب والدها بثقة:
- ما تخافيش أنا عارف بنتي كويس..
اعتدلت واقفة وهي تدلك عينيها بنعاس ليوقفها والدها:
- راحة فين؟
أجابته وهي تصعد الدرج:
- هنام ساعتين عشان أقوم أروح المستشفى قبل ما اللي إسمه محمود دا يجي الصبح...
****************************
دخل المنزل يترنح يمينًا ويسارًا، قذف مفاتحه على الطاولة لتقع الفازة الكبيرة مصدرة صوت ضجيج جعلها تخرج من غرفتها ركضًا بفزع لترى ما حدث،
تأففت بضيق وقبل أن تعود ثانية أوقفها سليم بزعقة:
- راحة فييين.. تعالي
خطت نحوه بعينان ناعسة ووجه شاحب وجسد ينتفض بخوف:
- راحة أنام.. خير ؟
فأجابها وهو يقبض بكفه خصلات شعرها بقوة لتصرخ هي بألم وهو يكاد يقتلع شعرها من جذوره مرددًا:
- الهانم بقى بتخرج من باب البيت من غير إذن.
حاولت أن تنزع يده من شعرها ولكنه شدد من قبضته حتى بدأت في البكاء وهي تُخبره:
- الدكتور كلمني وقالي أن أختي محجوزة عنده وكان لازم أروح وكلمتك وكنسلت عليا.
هتف بها:
- أنتِ كدابة أنا وهشام روحنا المستشفى مالقيناش هناك أي حالة اتسجلت باسم ياسمين شريف.
مسحت دموعها وهي مازالت تحاول نزع يده عن شعرها:
- أنا ماعرفش... أكيد اللي اسمه ريان دا نقلها لأنه عارف أني هقولك.
قربها منه بقوة أكبر وهو يهددها بنبرة أشعرتها بالرعب لتتفادى أنفاسه الكريهة:
- مرة تانية هتخطي برة باب الشقة دي من غير إذن هقطعلك رجلك..
ترك شعرها ونفض كفه بتقزز من خصلاتها التي علقت بيده، تقدم نحو غرفة نومه لتتبعه هي بغضب كبير وهي تقول له:
- والبيه اللي بيحاسبني جايلي الصبح سكران وريحته تقرف من أنهي داهية.
فك أزرار قميصه وهو ينظر لعينيها بهدوء مرددًا:
- من عند عزيزة الرقاصة ومقضي معها ليله حمرا وإن كان عاجبك ولو مش عاجبك عندك بدل الحيطة عشرة.
انطلقت نحوه بعصبية كبيرة وهي تصرخ به وتلكزه في صدره العاري:
- طب ما تطلقني وتريحني منك ومن أشكالك.
أمسك كفها بقوة وبفحيح أذاها به:
- مش هطلقك.. ولو رفعتي خُلع هقتلك و أنتِ عارفة أني أعملها
وساعتها بقى أتجوز ياسمين بمزاج بعد ما أخلص منك!
ثم ترك يدها بدفعة جعلتها تعود للخلف وهي تبكي بمرارة،
ارتمى على فراشه وغط في النوم بعد عدة ثوانِ بينما هي إنزوت في أحد جوانب الغرفة تبكي بصمت، ثم وقفت عندما رن هاتفها عدة مرات لتتلقى المحادثة بصوت متهدج جعل المتصلة التي على الطرف الأخر تثور بغضب:
عمل إيه ابن الك*** دا..
صوتها المرتفع جعلها تخرج بالهاتف من الغرفة وهي تهدئها بهمس:
- ما عملش حاجة.. إهدي بقى، جاي سكران ومتنيل من عند عزيزة.
زفرت الأخرى بضيق قائلة:
- وأنتِ زعلانة ليه ما يجي من ستين داهية.
ثم صمتت لبرهة وهي تسألها بجدية:
- حلا أنتِ لسه بتحبيه؟!
تنهدت وهي تنظر نحوه من الخارج، لتباغتها الأخرى بزعقة:
- أنتِ حيوانة فعلًا.. غوري في داهية ما تفوريش دمي..
لم تنتظر إجابتها و أنهت المحادثة ووجها يضج بالدماء الحارة وظلت تسبُها وهي ترتدي ملابسها حتى انتهت، لتهبط على الدرج متجاهلة والديها اللذان ناداها بقلق لتسير نحو سيارتها دون أن تتفوه بحرف وهي تقود نحو المشفى والغضب قد جعل جسدها يشتعل...
*************

ليست هناك تعليقات: