الفصل السادس ..
صوت أنينها الذي يسبق إفاقتها جعله ينتفض واقفًا ليخرج سريعًا من الغرفة يحضر لها كوبًا من العصير وحبة من المسكن حتى يزيل آثار المخدر ...
جسده يرتعد خوفًا وهو يتخيل ردة فعلها حين تستيقظ ...
ولكن لا مفر لقد فعل أكثر الأشياء جنونًا في حياته ومؤكد سيدفع ثمنه غاليًا ولكن هذا الثمن لن يكون هي بالتأكيد أي شيء آخر إلا هي !!
تململت في الفراش ومازالت تأن من آثر المخدر ..
انكمشت ملامح وجهها من الألم الذي تشعر به في رأسها حاولت فتح عينيها فشعرت بدوار شديد والرؤية ليست واضحه تمامًا ..
هزت رأسها بعنف ثم اعتدلت جالسة وهي تمسك رأسها بكلتا يديها تدلكه برفق.. استطاعت أخيرًا أن تفتح عينيها،
ولأول وهلة ظنت أنها بداخل حلم جميل ولكن مع إغلاق عينيها مرات عديد وفتحها تيقنت أنها متيقظة تمامًا ..
نزلت من على الفراش تدور في الغرفة ولا يسعها سوى الشهيق كلما تقع عينيها على شيء فيها ..
أولها الفراش التي كانت تنام عليها مفروش بالورود ثم خزانة الملابس وردية اللون المنقوشة جميعها بورود الروز جاردن التي تعشقها حد الهوس حتى الأرض تفترش بالورد من نفس النوع ..
رددت وهي تذهب للمرآة الكبيرة وتستنشق عطر الروز جاردن الخلاب الذي جعلها تشعر بالثمالة وصداع رأسها بدأ يتلاشى تدريجيًا ...
- أكييييييد أنا بحلم !!!
نظرت لانعكاسها في المرآة ثم ضمت حاجبيها بتعجب حين رأت نفسها ترتدي نفس الثوب.. هي تتذكره جيدًا لقد ارتدته الليلة بعد أن انتهت من اتمام توضيب المنزل وطهو الطعام !!
كانت تجلس أمام التلفاز تنتظر زوجها العائد من سفر دام لأيام في بلدة أخرى ليحتفلا سويًا بعيد زواجهما الثالث كما أخبرها عبر الهاتف ..
عادت بالذاكرة قليلًا ثم بدأت تشعر بالذعر الشديد حين تذكرت ...
_ أنا نيمت الولاد و أخدت شاور ولبست فستاني وكنت قاعدة في الليفنج بتفرج على المسلسل مستنيه هشام!
التفتت وهي تشهق ووضعت يدها على فمها حين تذكرت يده تكممها حتى غابت عن الوعي ..
دخول ريان الغرفة جعلها ترجع للخلف بذعر وخوف شديدين قائله بصراخ:
- أنت ميييين ؟!!
وضع كوب العصير على المنضدة بجواره وبتعجب تام على سؤالها رفع كلتا يديه عاليًا وهو يقول ..
- اهدي يا ياسمين ما تخفيش مني أرجوكِ ..
حاول أن يقترب منها فابتعدت أكثر وصوت صراخها يعلو
فشعر بقلبه يعتصر من الألم لأجلها ولكن ليس بيده حيلة هو يعرف جيدًا أنها لن تتقبل الأمر ببساطة، ولكن كيف نسيته بهذا الشكل !
عقله رفض تصديق أنها محته من ذاكرتها، ولكنها مؤكد تأثير المخدر والصدمة جعل عقلها يتشوش ليس هناك تفسير آخر!
أسرع نحوها يُمسك بكلتا يديها يطوقهما للأمام حتى جعلها تلتصق بصدره فبدأت مقاومته بشراسة ولكن جسدها الهزيل لم يكن عونًا لها فهمس ريان في أذنها برقة بالغه :
- بطلي صريخ عشان أفهمك كل حاجة.. صدقيني أنا مش خاطفك عشان أَأْذيكِ أنتِ عارفة أني بحبك ومش عاوز حاجة غير أنك تبقي ليا ..
جحظت عيناها برعب وحاولت أن تتحرر منه مرة أخرى وظلت ترفص بقدميها ولكن لا فائدة فرددت بغضب:
- أنت أكيد مجنون ومريض نفسي سيبني.
زفر بضيق وهو يقول :
- هسيبك بس أرجوكِ ما تعمليش أي حاجة متهورة ..
هزت رأسها إيجابًا وقد شعرت بجسدها يتعب ودموعها تتساقط بحزن وهي تفكر في حال أولادها الآن ...
حررها من يديه وقلبه يكاد ينفجر بداخل صدره من قربها ..
كم تمنى طوال الثلاث سنوات الماضية أن يضمها إليه ويستنشق عبيرها الخلاب ولكن عليه أن ينتظر حتى تتقبل الأمر !!
جلست ياسمين على الأرض وهي تبكي بمرارة وتتساءل :
- أنت عاوز مني إيه ؟ أرجوك سيبني أرجع لأولادي !!
جلس أمامها على الأرض بوجه حزين يترجاها أن تتذكره :
- ياسمين أنا ريان أنتِ نسيتيني ؟!
تطلعت له بعدم فهم وكأنها تراه لأول مرة !
كاد أن يصرخ بها ولكنه تدارك مشاعره وجملة واحدة تتردد بعقله
" أكيد الصدمة شديدة عليها "
لانت نظراته مرة أخرى وهو يُحدثها :
- ما تخافيش أنا هجيبلك ولادك ونعيش كلنا سوا و أوعدك أني عمري ما هزعلك في يوم وهعمل كل اللي تتمنيه،
هلففك العالم معايا وهاعيشك زي ما كنتِ بتحلمي بس أنتِ إقبلي ...
وقفت بعنف واحتقن وجهها غضبًا لتنتفخ ودجها قائلة :
- أنا متجوزة وبحب جوزي.. أنت أكيد مجنون أقسم بالله.
التفتت حول نفسها بهياج وصوته الحنون يتردد في أذنها وكأنها سمعته من قبل بل وعشقته أيضًا، لتنفض هذه الأفكار من رأسها وهي تصرخ به :
- أنت خاطفني من بيتي عشان تضحك عليا بالكلمتين دوول و إيه بتحبني دي أنت معتوه! دا أنا أول مرة أشوفك !
تسمرت قدماه وهو يحدق بها بذهول تام، لا يصدق ما تفوهت به،
لتنطلق هي نحو باب الغرفة المفتوح وهي مازالت تهدر به :
- وأنا هبقى مجنونة زيك لو سمعت حرف تاني منك ..
اندفاعها نحو الباب ومجرد التفكير بفقدها مرة أخرى جعلته يفيق من صدمته،
وقبل أن تبلغ مكان الباب كان يقيدها من يدها ثانية فشهقت وهي تهز جسدها بقوة وهي تصيح :
- ابعد عني يا مجنوون أنت..
لم يعيرها اهتمامًا وهو يقيد يديها بأصفاد حديدية ويضع لاصقة على فمها جعلتها تستمر في صرخات مكتومة ثم حملها وهي مازالت تنتفض ووضعها على الفراش وانحنى يهمس لها :
- أنا هسيبك تفكري مع نفسك وترجعي بالذاكرة كدا لأربع سنين فاتوا وقت ما أنقذتك من الغرق لما قررتي تنتحري،
وأنا عارف أنك لما تفتكري ريان هتعقلي وتشوفي الصالح ليكي ولولادك ..
انا بدور عليكِ من 3 سنين وقبل ما أشوفك يوم زفافك بسنة، وبقالي شهور قبل ما أجيبك هنا براقبك وعارف أدق التفاصيل عنك من أول ما بتصحي من النوم لحد ما بتنامي ..
أنا بعشقك يا ياسمين مش بحبك بس، ولو في كلمة أكبر تعبرلك عن اللي جوايا هقولهالك،
أنا حاولت كتييير أنساكِ وأعيش حياتي ما قدرتش مكنتش بشوف حد غيرك،
و جبتك هنا بعد صراع نفسي رهيب بس مالقتش حل غير كدا قدامي أما تهدي هفهمك تفاصيل أكتر... حاولي ترتاحي دلوقتي ...
وبعد أن هم على الرحيل عاد إليها ليقترب أكثر من أذنها وهو يصك أسنانه وبتحذير تام وخطير قال لها :
- لو سمعت كلمة جوزي وبحبه دي تاني مش هعرف أمسك أعصابي المرة الجاية... ورجاء أخير بطلي عياط أرجووووكِ ...
ثم تركها جاحظة العينين مرتعبة جسدها ينتفض وعقلها مشوش تمامًا ولا يسعها سوى البكاء !!
****************************
دلف هشام من باب الشقة وهو ينظر لساعته التي تعدت الثانية بعد منتصف الليل، ليرفع حاجبه وهو يردد :
- أكيد نامت
وضع حقيبة ملابسه الصغيرة، وحمل الحقيبة المزينة التي تحوي هدية مميزة لها بمناسبة عيد زواجهم الثالث، ثم أغلق الباب خلفه،
وخطى على اطراف أصابعه كي لا يوقظ التوأمين،
وجد الضوء مشتعل في غرفة الجلوس وصوت التلفاز الخافت يصدح من هناك،
تسلل و ابتسامته ترتسم على وجهه وهو يتخيل فزعها حين تراه،
دخل بهدوء وقبل أن يتحدث بصوت مرتفع وجد الغرفة فارغة،
ضم حاجبيه بتعجب و انتقل لغرفة نومهم المظلمة ليشعل الضوء فلم يجدها أيضًا هناك،
بدأ القلق يتسرب لقلبه وهو يخطو بسرعة نحو المطبخ الذي وجده أيضًا فارغًا وكذلك غرفة الطعام !
ترك الحقيبة من يده وعلى عجل ركض نحو غرفة الأطفال فوجد ولديه ينامان قريري العين،
خرج من الغرفة بهدوء وأغلقها خلفه وظل يناديها بصوت خفيض حتى لا يوقظ أطفاله، ولكن " لا حياة لمن ينادي "
أشتعل وجهه واندفعت الدماء لرأسه وهو يفكر أين ذهبت في هذا الوقت،
انطلق نحو خزانة ملابسها ليجد كل شيء كما هو، عقله أصبح يدور في احتمالات كثيرة لا يعرف ايهم أصح،
انقبض قلبه وهو يتذكر الدواء، ألم تأخذه اليوم !
وبقدمين مرتعشتان وقلب يهدر بداخله انطلق نحو درج المنضدة الملاصق لفراشها ليفتحه ويتأكد أنها تأخذ دوائها بانتظام كما يقول لها كل يوم وليلة،
أخرج هاتفه من جيبه وقام بالاتصال بها ليسمع رنين هاتفها الذي يأتي من غرفة الجلوس،
ذهب إليه وبدأ بالصراخ باسمها وقد فقد آخر ذرة تعقل له وهو يُمسك هاتفها بيده،
بينما يجلس ريان على مقعده الهزاز و يشاهد هشام على شاشة هاتفه وهو يكاد يجن من البحث عنها،
رفع زاوية فمه بابتسامة منتصرة وهو يردد :
- جه الدور عليك يا هشام... و وحياة الغاليين كلهم ما هارحمك ..
********************
- أنا همشي بقى أحسن سليم يقلق عليا.
ثم قامت من مقعدها لتحيي صديقتها التي نظرت نحوها بشفقة فهي تعلم جيدًا أن زوجها لن يقلق عليها ولن يسأل عن مكانها لو ظلت جالسة طول اليوم،
حملت وسيلة حقيبتها، وحقيبة بلاستكية صغيرة ابتاعت بها بعض الأغراض البسيطة من البقال كي تحفظ ماء وجهها،
وانطلقت من المقهى نحو الشارع الرئيسي وقررت أن تعود للمنزل مشيًا على قدميها، علها تتنفس بعض من الهواء النقي وهي تفكر في حياتها التي أصبحت مثل الجحيم الذي لا يهدأ طوال ثلاث سنوات متتالية،
اللهم وقت ولادتها لابنتها التي أسماها ياسمين تيمنًا بحبيبته كي يٌكمل باقي لوحة عذابه المستمر التي يتلذذ برسمها على مهل حتى أصبحت بهذا الشكل،
هزيلة، وذابلة، بملامح قد استقرت على الحزن والقهر،
حياتها معه عبارة عن ياسمين منذ أن أنجبتها وهو عزف عن تعذيبها الجسدي للأبد كما أخبرها،
تتذكر كم طلبت منه أن يُطلقها ويتركها، كم أقسمت له أنها لن تتفوه بحرف عما فعله بها، عن جسدها الموشوم بوشومه الخاصة، كم ترجته أن يعفو عنها، أن يغفر لها، أن يكتفي بهذه السنوات العجاف،
ولكنه أبى، بكل قلب متحجر خُلق على هذه الأرض أجابها ببساطة :
- مش هسيبك يا وسيلة، مش دا كان اختيارك من الأول اتحملي نتيجته بقى،
حاولت بكل ما تستطيع من قوة أن تعرف أين اختفى أخيه وزوجته منذ الليلة المشؤمة التي كانت بداية اللعنة، حتى يتركها.. يفك أسرها.. يصب غضبه على أخيه، ولكن هيهات لم تستطيع أن تعرف كما لم يستطيع هو،
لم يرأف بحالها سوى عندما علم أن ما تحمله في رحمها فتاة، لن تنسى وجهه يومها، لأول مرة يبتسم ولأول مرة يمس جسدها برفق وهو يتحسس بطنها،
عاشت شهورها التسع في راحة مؤقتة حتى يوم ولادتها، عندما حمل فتاته وأسماها ياسمين رغم أنف الجمع المتعجب لإصراره، وقد محاها من الوجود، لم تعد هناك ما يسمى بوسيلة، خادمة لابنته، ممنوع عليها التحدث معها بطريقة أم لابنتها، ممنوع عليها نهرها أو أن يعلو صوتها في البيت بوجود ياسمين، ياسمينته كما يناديها،
يضع كاميرات مراقبة في المنزل بأكمله كي يشاهدها طوال اليوم وهو في العمل، ومنها يراقبها حتى لا تتعدى حدودها معها " ابنتها " التي لا تنطق سوى " باباه "
وحين يعود لا يجلس سوى معها، لا ينام إلا بأحضانها هي، لدرجة أنه رفض أن تُرضعها من ثديها حتى لا تأخذها منه،
ألم يتبعه ألم كلما شاهدته معها، لا يقص لها سوى حكايته معها، لا يتكلم سوى عليها، والطفلة البريئة تعشقها هي، ياسمين حبيبة والدها،
وصلت لمنزلها وقد أغرقت الدموع وجهها لتُجففها بإتقان وتدلف للداخل،
وكعادته يجلس على أريكته أمام التلفاز وفتاته على قدميه تنام على صدره وهو يمسد شعرها برقة بالغة ويشاهدان فيلمًا كرتوني،
لم يهتم بعودتها ولم يلتفت حتى لها لا هو ولا ابنتها الصغيرة، لقد أصبحت مثل أبيها،
بخطوات مرتعشة دلفت لمطبخها لتضع هناك ما ابتاعته ليصدح صوته الجميل المرح الذي لا تسمعه سوى وهو يطلب منها طلب لابنته:
- ياسمين كانت عاوزة فشار، اعمليلها بسرعة.
لم تجِب سوى بكلمة واحدة لا تعرف سواها منذ ثلاث سنوات :
- حاضر ..
رنين هاتفه جعله يعتدل في مجلسه و ابنته مازالت في أحضانه، ليجدها والدته،
أجابها سريعًا :
- أيوة يا ماما...
لحظات وانتفض واقفًا بذعر وابنته على يده، ليضعها برفق على الأريكة وهو يردد :
- بتقولي إيه ؟!
أجابته والدته بفرحة كبيرة :
- بقولك انزل بسرعة أخوك هنا هو وولاده.. تخيل جاب توأم يا سليم
لم يستوعب ما قلته أمه للحظات، انتفض قلبه كما انتفض جسده منذ قليل،
لقد عادت حبيبته وأخيه الذي أخذها و اختفى منذ سنوات دون أن يخبرهم عن مكانه أو حتى يتحدث معه من يومها،
ترك الهاتف من يده وأمه ما زالت تتحدث ليخرج من باب شقته مثل المحموم،
دلفت وسيلة للغرفة وهي تجعد حاجبيها بدهشة وصوت والدته يأتيها عبر الهاتف، لتلتقط الهاتف من أعلى الأريكة وتضعها على أذنها لتسمع والدته وهي تقول له :
- تصدق ولاد هشام شكلك خالص يا سليم.
جلست مكانها بتعب وكأن عذاب السنوات الماضية كان ينتظر هذه اللحظة حتى ينصب فوق رأسها بأكمله،
لم تستطِع سوى أن تبكي وهي تطلق ضحكات متتالية وكأنها فقدت عقلها، لا تدري أهي فرحة بعودتها وأنها سيحررها ويتركها أخيرًا أم تحزن على فراق ابنتها التي لن يتركها أباها حتى ولو حكم عليها أن تعيش له ولها خادمة الباقي من عمرها...
********************
أخرجت هاتفها من الحقيبة لتجيبه بصوت مضطرب :
- أنا قدام الكافية أهوه يا يونس.. خمس دقايق وأكون عندك.
زفر يونس بضيق و أنهى المحادثة، ثم أشار للنادل الذي جاءه سريعًا ليطلب منه يونس فنجانًا ثالثًا من القهوة ويؤكد عليه خطته قائلًا :
- أول ما أشاور لك تجيب التورتة وتيجي.
ابتسم له النادل مرددًا :
- تؤمرني يا يونس بيه، ما تقلقش.
ذهب النادل من أمامه وتركه يتذكر هذا اليوم منذ ثلاث سنوات عندما رآها للمرة الأولى في زفاف أختها،
حلا وهي بالفعل حلا، طيبة المذاق تحمل جزءا لاذعًا لمن لا يعرفها، لم يتخيل يومها أنها من ستملُك قلبه يومًا ما،
توطدت علاقتهما في اليوم التالي، عندما كان يجلس مع صديقه المُتيم، أنهوا حديثهما وانطلقوا نحو مكتب استقبال الزوار ليسألوا عن رقم غرفة حبيبته ليواجه زوجها المُحتال، فوجدوا أختها تصرخ بالموظفين، وبعد محاولات مستميتة من صديقه ليفهم منها ما يحدث بدأت بالبكاء وهي تخبره :
- بيقولولي أن أختى وجوزها عملوا check out وبتصل بيها تليفونها مغلق ورافضين يقولولي أي معلومات.
لم ينتظر صديقه كثيرًا ليصيح بهم في مشاجرة تدخل لها أمن الفندق ليخرجوهم بالقوة،
ومنذ خروجهم من هناك ولم يتركها لا هو ولا ريان وهم يحاولون العثور على ياسمين التي اختفت منذ ذلك الحين.
- هااي.. إزيك؟
رفع وجهه نحوها ثم وقف ليمد يده مصافحًا، وقلبه يتراقص بداخله من رؤيتها ولكنه أبدى غضبه وهو يزيح لها المقعد كي تجلس عليه وهي تزم شفتيها بنزق قائلة :
- مكانتش ربع ساعة تأخير اللي مخلياك زعلان كدا
جلس على مقعده أمامها وبصوت حزين قال لها :
- يعني بتذليني على ما تحددي معاد نخرج فيه، ولما بتحدديه بمزاجك برده بتتأخري، ولطعاني بقالي تلت ساعة.
قربت وجهها منه بابتسامة يعشقها هو وتعرف هي تأثيرها عليه لتردد بعنج :
- خلاص بقى أنا آسفة والله.
لم يسعه سوى الابتسام، لتعود هي تستند بظهرها للمقعد وهي تقول له :
- ثم أنت تعرفني من إمتى ؟
ترك فنجانه الذى أنهاه سريعًا وهو يجيبها :
- تلات سنين
ضيقت عينيها بتساؤل :
- طب وعمري أديتك ميعاد وجيت فيه ؟!
هز رأسه نفيًا :
- لا للأسف!
تنهدت براحة وهي تقول :
- يبقى أنت اللي غلطان أنك بتيجي في ميعادك مش أنا اللي غلطانه أني بتأخر، ودا لييه لأن دي عادتي يا أستاذ اللي المفروض تبقى حافظها.
خبط كفيه بعضهما ببعض بغيظ، ليأتي النادل وهو يحمل الكعكة على يده ويضعها على المنضدة تحت أنظار حلا المندهشة وهو يقول :
- أهوه يا يونس بيه كنت واقف جاهز.
خبط يونس على جبهته وهو يكاد يفتك بالنادل الغبي الذي نظر ليونس بتعجب وهو يراه جاحظ العينين محتقن الوجه ليتحرك سريعًا من أمامه دون حديث،
تساءلت حلا بتعجب :
- ايه دا ؟
صك أسنانه بغيظ وهو يقول لها :
- دا كان احتفال صغير كدا عامله بمناسبة أنه دي الذكرى التالتة لينا وأن انهاردة من تلات سنين كان أول مرة أشوف حبيبتي، بس الغبي بوظلي كل حاجة.
أنهى جملته بابتسامة، لتدمع عين حلا بفرحة وهي تفرك كلتا كفيها وبتأثر قالت له :
- حقيقي أنا مش عارفة من غيرك كنت هعيش إزاي بعد اللي حصلنا.
- احتضن كفيها بين يده، ثم قَبل باطنهما وهو ينظر لها بحب خالص قائلًا :
- أنا اللي ما عيشتش حياتي غير لما عرفتك يا حبيبتي.
رنين هاتفها جعلها تسحب كفيها اللذان يهتزان بسعادة وحرج لتتلقى المكالمة من والدها الذي سألها :
- أنتِ فين ؟!
أجابته وهي تشعر أن هناك خطب ما :
- أنا مع يونس يا بابا ما أنا قيلالكم قبل ما أنزل.
بتوتر بالغ أمرها :
- طيب هاتيه وتعالي حالًا
بقلق تملك منها سألته :
- إيه اللي حصل؟ ماما كويسة؟!
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يجلس على المقعد خلفه قائلاً :
- مامتك كويسة، هشام اللي رجع و جيه هنا يسألنا على أختك اللي مش لاقيها من إمبارح!
انتفضت حلا من مكانها حتى وقع المقعد من خلفها وهي تحمل حقيبتها وتركض وهي تقول ليونس :
- ياسمين رجعت يا يونس ..
****************
ما زال يجلس متكأ على أريكته التي أمام غرفتها منذ الأمس، يأبى أن يدخل غرفته أو أن تغيب عن ناظره للحظة واحدة،
بخطوات يعرفها جيدًا اقتربت منه أنيسة لتجلس بجواره ووجهها ينم عما بداخلها،
وقبل أن تتحدث أوقفها ريان بضجر :
- أنا عارف اللي هتقوليه يا أمي، وأنتِ عارفة أني مش هعمله.
زفرت بضيق وهي تقول له :
- وبعدين بقى في دماغك اللي عاوزة أكسرها دي.
اسند رأسه على ظهر الأريكة من خلفه ولم يُعقب على حديثها، لتستمر هي به :
- يا بني.. الحب مش بالعافية، سيب البنت ترجع لولادها
رفع رأسه ينظر إليها بعينان حمروتان من الغضب وهو يردد :
- ترجع فيين! ياسمين مش هاتتحرك من هنا ومجرد ما أخلي الحيوان اللي
أخدها مني يطلقها هاتجوزها وولادها هجيبهم هنا ..
ثم انتفض واقفًا وهو يرفع سبابته أمامها يحذرها :
- ومش عاوز كلام تاني في الموضوع دا
اهتز هاتفه بجيبه ليخرجه مجيبًا :
- أيوة يا يونس
دون مقدمات قال له :
- هشام راح لأهل ياسمين يسألهم عنها ومن ساعتها مش مبطلين عياط و أنا مش عارف أعمل إيه، حالة حلا لا يرثى لها.
بصوت مرتفع أجابه :
- يووونس.. ما تخلنيش أندم أني عرفتك حاجة، زي ماهما صبروا ٣ سنين يصبروا شوية لحد ما اتجوزها ووقتها الكل هيعرف مكانها.
بصوت خافت سأله يونس :
- طب هي عاملة إيه دلوقتي؟!
شعر بخنجر يدخل قلبه وهو يخبر صديقه بحزن بالغ :
- تخيل مش عرفاني يا يونس.
صوت صراخها وصله عاليًا ليسقط الهاتف من يده وهو يركض نحو غرفتها وقد سبقته أنيسة بفزع ليرها تفترش الأرض وتنتفض وكأن الكهرباء أمسكت جسدها بأكمله،
ركع على ركبتيه أمامها ليحاول السيطرة على جسدها المرتعش وهو يقول لها :
- ياسمين مالك.. إيه اللي حصل.. حبيبتي ردي عليا
ولكنه لم يستطيع، بالعكس بدأت تتشنج بشكل مبالغ فيه فبدأ بالصراااخ عاليًا :
- دكتوور هاتوا دكتور بسررعة....
*******************

ليست هناك تعليقات: